فاطمة الزهراء المنصوري.. أول امرأة تقود الحكومة المغربية
في حدث سياسي غير مسبوق في تاريخ المغرب، عيّن الملك محمد السادس، الثلاثاء 29 سبتمبر 2026، فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المملكة المغربية، في خطوة تفتح صفحة جديدة في مسار مشاركة المرأة المغربية في مواقع القرار السياسي والتنفيذي.
وجاء التعيين عقب الانتخابات التشريعية التي تصدرها حزب الأصالة والمعاصرة، الذي حصل على 97 مقعدا من أصل 395 مقعداً في مجلس النواب. وبموجب الدستور المغربي، يعيّن الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب. غير أن الحزب لم يحصل على الأغلبية المطلقة، ما يجعل تشكيل ائتلاف حكومي أمرا ضروريا لتأمين الأغلبية البرلمانية.
المنصوري.. من مراكش إلى رئاسة الحكومة
فاطمة الزهراء المنصوري ليست وافدة جديدة على المشهد السياسي المغربي؛ فقد تولت سابقا رئاسة مجلس مدينة مراكش، كما شغلت منصب وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وهي أيضاً من أبرز قيادات حزب الأصالة والمعاصرة.
ويمنحها هذا المسار خبرة في الإدارة المحلية والعمل الحكومي والقيادة الحزبية، قبل انتقالها إلى أعلى منصب تنفيذي في البلاد.
ويأتي صعودها في سياق سياسي شهد تغيرات مهمة خلال الانتخابات الأخيرة؛ فقد تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعداً، بينما تراجع حزب التجمع الوطني للأحرار من 102 مقعد في انتخابات 2021 إلى 66 مقعدا، في حين حقق حزب العدالة والتنمية عودة قوية بحصوله على 54 مقعداً، بعد أن كان قد حصل على 13 مقعداً فقط في الانتخابات السابقة.
كما سجلت الانتخابات نسبة مشاركة بلغت نحو 38%، وهي نسبة تعكس، وفق تقارير صحفية وتحليلات سياسية، تحدياً يتعلق بمستوى انخراط المواطنين في العملية السياسية وثقتهم بالمؤسسات والأحزاب.
سابقة مغربية.. ورسالة عربية
لا تقتصر أهمية تعيين المنصوري على كونها أول امرأة تصل إلى رئاسة الحكومة المغربية، بل إن الخطوة تمنحها موقعا غير مسبوق في تاريخ الحكومات المغربية، وتضع المغرب أمام تجربة سياسية جديدة في المنطقة العربية.
ويأتي ذلك بعد عقود من توسع حضور المرأة المغربية في المؤسسات المنتخبة والإدارة والحكومة، لتصل اليوم إلى رئاسة السلطة التنفيذية.
لكن قيمة هذا التحول لا تقاس بمجرد الوصول إلى المنصب؛ فالتحدي الحقيقي يبدأ بعد التعيين، عندما تتحول الرمزية السياسية إلى سياسات عامة ونتائج ملموسة تمس حياة المواطنين.
حكومة أمام ملفات ثقيلة
ستجد الحكومة الجديدة نفسها أمام ملفات اقتصادية واجتماعية كبيرة، من بينها التشغيل، والتعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية، وتقليص الفوارق بين المدن والمناطق، إضافة إلى الاستعدادات المرتبطة باستضافة المغرب لكأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال.
كما أن الحكومة مطالبة بإدارة مرحلة سياسية جديدة في ظل عودة حزب العدالة والتنمية بقوة إلى البرلمان واختياره البقاء في المعارضة، وفق ما أعلنته قيادته. وهذا يعني أن الحكومة المقبلة ستعمل في بيئة برلمانية تضم معارضة أكثر حضوراً مقارنة بالبرلمان السابق.
ومن هنا، فإن نجاح التجربة لن يكون مرتبطا بكون رئيسة الحكومة امرأة، وإنما بقدرتها وحكومتها على إدارة هذه الملفات ضمن المؤسسات الدستورية، وتحويل البرامج الانتخابية إلى سياسات قابلة للتنفيذ، والاستجابة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد.
من الرمزية إلى المسؤولية
إن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري يحمل، في الوقت نفسه، بعدا رمزيا وبعدا مؤسساتيا.
فالرمزي يتمثل في كسر سقف تاريخي أمام وصول المرأة المغربية إلى أعلى منصب حكومي. أما المؤسسي فيتمثل في اختبار قدرة امرأة على قيادة حكومة في مرحلة تتطلب قرارات اقتصادية واجتماعية ودبلوماسية كبيرة.
وبذلك، فإن السؤال الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة ليس: هل تستطيع المرأة الوصول إلى رئاسة الحكومة؟ فقد أصبحت الإجابة اليوم واضحة في المغرب.
السؤال الأهم هو: ماذا ستفعل رئيسة الحكومة بهذا المنصب؟
فالمناصب التاريخية تخلد أصحابها بسبب ما ينجزونه فيها، لا بسبب لحظة الوصول إليها. وستكون المنصوري أمام فرصة لتحويل هذه السابقة التاريخية إلى تجربة سياسية ومؤسسية تترك أثرا في السياسات العامة، وتوسّع النقاش حول حضور المرأة في مواقع صناعة القرار داخل المغرب والمنطقة العربية.
وهكذا يدخل المغرب مرحلة سياسية جديدة، تتولى فيها امرأة للمرة الأولى قيادة الحكومة، بينما تنتظر منها البلاد أكثر من رمزية التعيين: حكومة قادرة على تحويل الوعود إلى سياسات، والسياسات إلى نتائج، والنتائج إلى ثقة عامة.








