استقالة حكومة ولد اجاي.. هل يهرب المتهمون بالفساد من المحاسبة بتغيير المناصب؟
الإتحاد – أنواكشوط
محمدعبدالرحمن ولد عبد الله
كاتب ، صحفي ، medabd388@gmail.com
استقالت حكومة المختار ولد اجاي بعد تسلّم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تقرير لجنة التحقيق في حرائق ملف الشركة الموريتانية للكهرباء «صوملك». لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل نحن أمام بداية محاسبة حقيقية، أم أمام محاولة لاحتواء تداعيات الملفات المثيرة للجدل، بينما تظل الأسئلة الكبرى المتعلقة بالفساد ونهب المال العام معلقة بلا إجابات؟
تغادر حكومة ولد اجاي -غير ماسوف عليها – المشهد بعد نحو سنتين من الوعود الكاذبة والخطابات الرسمية عن الإصلاح ومحاربة الفساد، في وقت تتصاعد فيه انتقادات الرأي العام بشأن تفشي الفساد، وسوء تسيير الموارد العمومية، وتعثر المشاريع، واتساع الفجوة بين ما تعلنه السلطة من إنجازات وما يعيشه المواطن من أزمات الماء والكهرباء وغلاء المعيشة والبطالة.
لقد أصبحت اتهامات الفساد ونهب المال العام محورا أساسيا في النقاش العام حول أداء الحكومة. وهي اتهامات لا يكفي التعامل معها بالإنكار أو التبرير، بل تستوجب تحقيقات مستقلة وشفافة، تكشف الحقائق وتحدد المسؤوليات، وتُخضع كل من تثبت مخالفته للقانون للمساءلة، بعيدا عن النفوذ والحماية السياسية.
فالمشكلة ليست في استقالة وزير أول أو رحيل حكومة، بل في منظومة يخشى أن تتحول فيها المناصب إلى محطات لتبادل النفوذ، بينما تبقى الملفات الثقيلة مفتوحة، والأموال العمومية محل تساؤلات، والمواطن مطالبا بالصبر وتحمل تكاليف الأزمات.
وإذا كانت السلطة جادة في محاربة الفساد، فإن ملف «صوملك» يمثل اختبارا حقيقيًا لها: ما الذي كشفته لجنة التحقيق؟ وما طبيعة المسؤوليات التي حددتها؟ وهل ستنشر نتائج التحقيق للرأي العام؟ وهل ستترتب عليها إجراءات قانونية واضحة، أم سيُطوى الملف كما طُويت ملفات أخرى وسط ضجيج التصريحات وتبديل المسؤولين؟
ولا يمكن فصل هذه الأسئلة عن مسؤولية حكومة ولد اجاي عن حصيلتها السياسية والإدارية، ولا عن مسؤولية الرئيس غزواني في اختيار الوزراء ومتابعة أدائهم. فالحكومة لا تعمل خارج سلطة الرئيس، ولا يمكن اختزال الإخفاقات في شخص الوزير الأول وحده، ثم تقديم استقالة حكومته باعتبارها نهاية للأزمة، دون مراجعة السياسات وآليات الرقابة والمحاسبة.
أما سياسة الوعود الفارغة، المتكررة والتصريحات التي تتناقض مع واقع المواطنين، فقد عمقت أزمة الثقة. فالمواطن الذي يعاني العطش وانقطاعات الكهرباء وارتفاع الأسعار لا تقنعه لغة الإنجازات ما لم يرَ أثرها في حياته اليومية. والذي يسمع عن مليارات التمويلات والميزانيات لا يطلب المستحيل حين يسأل عن أوجه إنفاقها، والنتائج التي تحققت بها، والجهات التي تتحمل المسؤولية عن أي اختلالات تثبتها التحقيقات.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول استقالة الحكومة إلى وسيلة للهروب من المحاسبة، وأن يغادر المسؤولون مواقعهم دون أن يغادر معهم الغموض الذي يحيط بالملفات المالية والإدارية. فالمناصب ليست حصانة، والاستقالة ليست براءة، وتغيير الوجوه لا يعني إصلاح المؤسسات.
إن محاربة الفساد لا تبدأ بإقالة حكومة وتنتهي بتعيين أخرى، بل بكشف تقارير التفتيش والتحقيق، وتتبع الأموال العامة، ونشر نتائج التدقيق، واسترداد الأموال التي يثبت الاستيلاء عليها، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، مهما علا منصبه أو اقترب من دوائر القرار.
لقد سئم الموريتانيون سياسة تطلب منهم الثقة دون تقديم أدلة كافية، وتدعوهم إلى التضحية بينما تتراكم الأسئلة حول تسيير موارد بلدهم. ولم يعد كافيا أن تتحدث السلطة عن الإصلاح؛ المطلوب أن تثبت جديتها بالأرقام والوثائق والنتائج.
السؤال الذي سيظل مطروحا بعد رحيل حكومة ولد اجاي: هل ستفتح الاستقالة باب المحاسبة وكشف حقيقة ما أُثير من اتهامات بالفساد ونهب المال العام، أم سيكتفى بتغيير الحكومة، فيما تبقى منظومة المصالح والامتيازات والأسئلة المعلقة على حالها؟
فموريتانيا لا تحتاج إلى تدوير المسؤولين بقدر حاجتها إلى دولة لا يُحمى فيها متهم بنفوذه، ولا يُدان فيها أحد بالشائعات، ولا يُترك فيها المال العام بلا رقابة، ولا يطلب من الشعب أن يدفع ثمن إخفاقات لا يعرف من المسؤول عنها.
فالفساد لا تحاربه الاستقالات، ونهب المال العام لا توقفه الخطب، والثقة لا تستعاد بالكذب السياسي؛ بل بحقيقة تكشف، وحقوق تصان، ومحاسبة لا تستثني أحدا.








