مقابلات وتحقيقات

تقرير حرائق «صوملك».. يوزع التهم  بلطف، ويكشف إخفاق الرقابة وسوء إدارة الصفقات

خاص – الإتحاد

تحقيق : محمدعبدالرحمن ولد عبدالله

 

لم تكن حرائق محطتي الشركة الموريتانية للكهرباء «صوملك» مجرد حادث فني عابر، بل كشفت ، عن سلسلة من الاختلالات الإدارية والفنية والتعاقدية، تورطت فيها جهات رسمية ومسؤولون في قطاعات الطاقة وإدارة الشركة، إلى جانب شركات ومكاتب استشارية تولت تنفيذ المشروع ومراقبته.

والأخطر في خلاصات التحقيق أن المسؤولية لم تتوقف عند الجهة المنفذة، بل امتدت إلى مستويات متعددة من الإشراف والرقابة والمصادقة، في صورة تطرح أسئلة جوهرية عن كيفية إسناد الصفقات العمومية، ومدى احترام الشروط الفنية، وحدود المساءلة عندما يتعلق الأمر بمشاريع تمس مرفقا حيويا كالكهرباء.

الوزير والأمين العام والمديرون.. أين كانت الرقابة؟

حمّلت اللجنة وزير الطاقة والنفط، محمد ولد خالد، مسؤولية وظيفية مرتبطة بالقصور في متابعة الاتفاقية ومراقبتها والإشراف على الهياكل المكلفة بتنفيذها، خصوصا بالنظر إلى حجم المبالغ والآجال والمخاطر المرتبطة بالمشروع.

كما سجلت مسؤولية على الأمين العام للوزارة، عالي سيلي سوماري، بسبب عدم تفعيل منظومة تحقق الأهداف المحددة في الاتفاقيات، وعلى المدير العام للكهرباء والطاقات المتجددة، محمد المختار أحمد مولود، بسبب مصادقات لم تكن مدعمة بما يكفي، وغياب معالجات موثقة للاختلالات التي تدخل ضمن نطاق اختصاصه.

وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: ما جدوى الهياكل الإدارية وأجهزة المتابعة إذا كانت المشاريع تمر عبر مستويات متعددة من الإشراف والمصادقة، ثم تنتهي إلى اختلالات فنية وتعاقدية بهذا الحجم؟

إن توزيع الاختصاصات لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتوزيع المسؤولية حتى تضيع، بل يفترض أن يحدد بدقة من اتخذ القرار، ومن أجازه، ومن كان ملزما باكتشاف الخلل ومنعه قبل وقوع الضرر.

من إطلاق المشروع إلى تسليم الكابلات.. سلسلة من الاختلالات

وبحسب التقرير، يتحمل المدير العام السابق لـ«صوملك»، سيدي ولد سالم، مسؤولية عن إطلاق مشروع الوصلات الثلاث الجديدة دون دراسات فنية مسبقة، فضلا عن قصور منظومة الرقابة قبل تعبئة المهندس الاستشاري، وقرارات إسناد غير مبررة، والموافقة على تغيير المصنع دون شروط كافية لضمان مطابقة الكابل للالتزامات التعاقدية.

كما سجل التحقيق مسؤولية على المدير العام الحالي، اخرمبالي ولد محمد لحبيب، بسبب أوجه قصور في متابعة المشروع، ولا سيما تسليم الكابلات والتحميل وعدم تطبيق غرامات التأخير.

أما المدير المركزي للتوزيع ومنسق المشروع، محمد ولد الذهبي، فقد أشار التقرير إلى اختلالات تتعلق بالمتابعة الفنية، واعتماد البطاقة الفنية لكابل جديد دون التأكد مسبقا  من تكافئه مع الكابل المنصوص عليه في العقد، فضلا عن قبول تسليم كابل لم تثبت مطابقته لشروط الصفقة، والإذن بتحميله دون التحقق من الاحتياطات الفنية المطلوبة.

وسجل التقرير كذلك غياب تدابير وقائية لفصل الوصلتين الأخيرتين بعد الحادث الأول.

إذا صحت هذه الوقائع كما وردت في التقرير، فإن المسألة تتجاوز مجرد أخطاء إدارية متفرقة؛ إذ تضع منظومة اتخاذ القرار والرقابة الفنية أمام اختبار صعب: كيف أمكن الانتقال من مرحلة التعاقد إلى التسليم والتحميل، رغم الاختلالات التي رصدتها اللجنة؟ ولماذا لم تفعّل الإجراءات الوقائية والعقوبات التعاقدية في الوقت المناسب؟

صفقة لشركة غير مؤهلة.. أين مسؤولية لجان الصفقات؟

ولم يستثن التحقيق لجان الصفقات من دائرة المسؤولية؛ إذ حمل اللجنة الفرعية للتحليل مسؤولية اقتراح إسناد الصفقة رقم 0868 إلى شركة «CTM» للبناء، رغم عدم تأهلها، كما حمّل رئيس وأعضاء لجنة صفقات الاستثمارات مسؤولية المصادقة على تقرير التقييم واقتراح الإسناد، رغم عدم تأهيل الشركة المختارة.

وهذه واحدة من أخطر النقاط في الملف، لأن لجان الصفقات يفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن المال العام، وأن تضمن تكافؤ الفرص واحترام المعايير الفنية والقانونية، لا أن تتحول إجراءاتها إلى مجرد توقيعات تمنح القرارات غطاءً إداريا.

فإذا كانت شركة غير مؤهلة قد حصلت على الصفقة، وفق ما خلص إليه التحقيق، فمن يتحمل مسؤولية تمرير عرضها؟ وهل ستراجع الإجراءات التي أفضت إلى اختيارها، أم ستظل المحاسبة محصورة في تسجيل الاختلالات دون ترتيب نتائج واضحة عليها؟

الشركة المنفذة والمكتب الاستشاري.. مسؤولية تعاقدية لا تقل خطورة

على مستوى المسؤوليات التعاقدية، حمل التقرير شركة «CTM» باتيما مسؤولية استخدام وثيقة لم تصادق عليها الجهة التي نسبت إليها، وهي شركة «سنيم»، وتغيير المصنع والمواصفات دون إثبات اختبارات النوع المطلوبة، وتسليم كابل غير مطابق للعقد، فضلا عن تجاوز الآجال التعاقدية وعدم تجديد تأمينات الورشة بعد انتهاء صلاحيتها.

كما حمل مكتب «IRAF»، بصفته المهندس الاستشاري، مسؤولية قصور التقييم الأولي والتوثيق، وضعف حضور رئيس البعثة وإعداد التقارير، والموافقة على وضع التجهيزات تحت الجهد رغم التحفظات المبلغ عنها، إلى جانب عدم كفاية تبرير بعض الخدمات المؤدى عنها.

وتكشف هذه المعطيات، بحسب التقرير، عن خلل لا يتعلق فقط بالتنفيذ، بل يشمل أيضا الرقابة والاستشارة والتحقق من المطابقة. فالمهندس الاستشاري ليس جهة شكلية، وإنما يفترض أن يكون ضمانة فنية مستقلة تحول دون تمرير تجهيزات أو أعمال لا تستوفي شروط العقد.

المساءلة هي الاختبار الحقيقي

إن أخطر ما في ملف حرائق «صوملك» ليس كثرة الجهات التي سجل التقرير مسؤوليتها فحسب، بل احتمال أن ينتهي الأمر إلى تقرير يعدد الاختلالات والأسماء، دون أن يرى المواطن إجراءات واضحة ومتناسبة مع ما ثبت من مسؤوليات.

فالموريتانيون لا يحتاجون إلى تقارير تكشف الخلل ثم تتركه بلا مآلات؛ إنهم يحتاجون إلى شفافية بشأن نتائج التحقيق، وتحديد دقيق للمسؤوليات، ومساءلة وفق القانون، واسترداد أي أموال أو تعويضات يثبت استحقاقها، وإصلاح حقيقي لمنظومة الصفقات والرقابة الفنية.

ويبقى السؤال الأهم: هل تتحول خلاصات التحقيق إلى إجراءات فعلية تطال كل من تثبت مسؤوليته، مهما كان موقعه، أم يضاف هذا الملف إلى سلسلة الملفات التي تكشف مواطن الخلل، ثم تتراجع من واجهة الاهتمام دون محاسبة واضحة؟

في ملف يمس المال العام وسلامة منشآت الكهرباء، لا تكفي معرفة من أخطأ؛ بل يجب أن يعرف المواطن أيضا من حوسب، وما الذي تغير حتى لا تتكرر الكارثة.

زر الذهاب إلى الأعلى