مقابلات وتحقيقات

مشروع «مدن».. مشروع لا تنتهي ميزانيته ولا تبدأ حصيلته!

 

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله
كاتب صحفي – نواكشوط
medabd388@gmail

 

ثمة مشاريع تفشل فتتوقف، وأخرى تتعثر فتراجع، لكن مشروع «مدن» يبدو أنه اختار طريقا مختلفا: لقد إرتقي سلم الفشل بجدارة.
يستمر رغم ضعف الحصيلة، وتتجدد ميزانياته رغم كثرة الأسئلة، وتتعاقب عليه الإدارات – بتعينات عشوائية قد تأتي بأي غريب-دون أن تتحول مسؤولية الفشل إلى مساءلة حقيقية.
وهنا تكمن المفارقة:
كيف يستمر مشروع يفترض أنه أُنشئ لخدمة التنمية، بينما لا يرى المواطن من نتائجه ما يتناسب مع الأموال الطائلة التي أنفقت عليه والسنوات التي استهلكها؟
المشكلة لم تعد في الأهداف المعلنة، وإنما في المردودية الفعلية. فالمال العام دفع، والسنوات مضت، والمشاريع أُعلن عنها، لكن الحصيلة ـ بحسب منتقدي المشروع ـ لا تزال ضعيفة. دون ما يفترض أن يبرر استمرار هذا الإنفاق.

▪︎ميزانيات تتحرك.. والنتائج لا تتحرك
المعادلة أصبحت مثيرة للسخرية:
أموال تضخ، إدارات تتعاقب، ووعود تتكرر، بينما النتائج لا ترتفع بالمستوى نفسه.
المواطن لا يعيش على البيانات ولا على صور التدشين؛ يريد ماء وكهرباء وطرقا ومدارس وخدمات ملموسة.
أما أن تستمر المؤسسة في استهلاك الموارد دون حصيلة واضحة تقنع المواطن بجدوى ما ينفق، فذلك يجعل السؤال عن استمرارها مشروعا وضروريا.

● أزمة إدارة قبل أن تكون أزمة مشروع
المشاريع  لا تنجح بكثرة السيارات الفارهة باهظة الثمن، تصوروا معي مشروعا يمتلك اسطول من السارات تقدر قيمتها مجتمعة بمأت الملايين ومخصصات ماليةضخمة لصيانتها واستهلاكها هل ستكون له نتيجة علي المواطن البسيط، هذا دليل قوي علي الفساد.

إدارة مشروع بهذا الحجم تحتاج إلى خبرة وقدرة على التخطيط والتنفيذ والرقابة،
لا إلى مجرد شغل منصب إداري.لمسؤول عديم الكفاءة،ضعيف المستوي.
ومن هنا تبرز قضية التعيينات باعتبارها جزءا من المشكلة. فإذا كانت المناصب القيادية تسند إلى من لا يمتلكون الخبرة والقدرة المطلوبة، فإن سوء النتائج يصبح نتيجة متوقعة، لا مفاجأة.
لا يمكن بناء مشروع ناجح بإدارة ضعيفة، ولا حماية المال العام بعقلية تفتقر إلى الكفاءة.

● أين ذهبت أموال هذا المشروع سئ الصيت؟!
تتردد اتهامات بالنهب وسوء استخدام الموارد واختلالات مالية وإدارية مرتبطة بالمشروع. وهذه اتهامات  لا يمكننا  تحويلها إلى أحكام مسبقة، لكنها في الوقت نفسه لا يجوز تجاهلها.
الحسم هنا لا يحتاج إلى خطب ولا إلى بيانات دفاعية، وإنما إلى تدقيق شامل ومستقل في أموال المشروع وصفقاته وعقوده ومشاريعه، منذ تأسيسه وحتى اليوم.
ويجب أن تكون النتيجة واضحة للرأي العام:
كم أُنفق؟ ماذا أُنجز؟ وما الذي تعثر؟ ومن تثبت مسؤوليته عن أي مخالفة فيجب  إحالته للعدالة.
فلتحدد المسؤوليات وتطبق القوانين.
هذه هي المساءلة:
حقيقة موثقة، ثم مسؤولية تترتب عليها نتائج.
الحصيلة هي الحكم وهي الأهم .
المشروع العمومي لا يقاس بحجم بهرجته وجعجعته دون طحينه وإنما بما يتركه من أثر إيجابي علي حياة المواطنين.
وإذا كان مشروع  «مدن» يحالفه سوء الحظ وسوء الطالع، قد استهلك سنوات وموارد ضخمة دون أن يقدم نتائج تتناسب معها، فإن الحديث عن نجاحه يحتاج الي أدلة ملموسة لا إلي دعاية مغرضة وتمظهر زائف يخفي وراءه كل المساوئ!

● الإنجاز هو ما يلمسه المواطن.
وحين تكون الكلفة كبيرة والأثر محدودا، يصبح من حق الدولة أن تعيد النظر في طريقة إدارة المشروع وفي جدوى استمرار تمويله بالشكل نفسه.
لماذا يستمر مشروع فاشل؟
هذا هو السؤال الذي لا ينبغي القفز عليه :
إذا كانت الحصيلة كارثية، فلماذا يستمر المشروع؟!
ليس عيبا أن تعترف الدولة بفشل مشروع أو قصور إدارة؛ العيب أن تعرف ذلك ثم تواصل ضخ الأموال فيه دون إصلاح جوهري أو نتائج ملموسة.
مع مراجعة معايير التعيين فليس كل من هب ودب يستطيع تسيير مشروع وانجاز نتائج مرضية.
،سيستمر المشروع في الانحدار إذا استمر غياب المتابعة والمحاسبة .

التموقع السياسي الكاذب والمظاهر الخداعة، لايمكنها صنع اطار ناجح فالنجاح لايمكن أن يأتي من الفشل .
كفى عبثا بالمال العام
«مدن» لا يحتاج إلى حملة تلميع، بل إلى كشف حساب.
تدقيق مهني مستقل، نتائج معلنة، مسؤوليات محددة، ثم قرار واضح بشأن مستقبل المشروع على أساس المردودية، لا على أساس المجاملة
أو الاستمرارية الآلية.

إذا ثبت أن استمراره يستنزف المال العام دون مردود مقنع ، فعلى الدولة أن توقف هذا الاستنزاف وتعيد توجيه الموارد إلى ما يحتاجه المواطن فعلا.
لا ينبغي أن يكون استمرار المشروع هو الهدف؛ الهدف هو حماية المال العام وتحقيق التنمية.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر إحراجا:
بعد كل ما أُنفق، وكل ما مضى من وقت، وكل ما تعاقب على المشروع من إدارات.. ماذا بقي للمواطن؟
إذا كانت الإجابة لا تتناسب مع حجم الأموال والآمال التي رصدت له، فالمشكلة لم تعد مجرد تعثر عابر.
إنها قضية إدارة ومردودية ومساءلة، تستحق أن تفتح ملفاتها الآن، لا أن تؤجل إلى غدٍ جديد فتراكم الفساد هوسبب كل الازمات.

زر الذهاب إلى الأعلى