أخبار وطنية

رقمنة موريتانيا تحت المجهر.. الرئيس بيرام الداه عبيد يطالب بتدقيق مستقل في الصفقات والتراخيص

محمد عبد الرحمن ولد عبدالله

كاتب صحفي ، انواكشوط

 

لم تعد قضية التحول الرقمي في موريتانيا مجرد حديث عن الجيل الخامس، ومراكز البيانات، وربط الإدارات بالألياف البصرية؛ فقد بدأت تتحول إلى ملف عمومي مفتوح على أسئلة تتعلق بالشفافية، والمنافسة، وكيفية إدارة مليارات الأوقية من المال العام.
وفي هذا السياق، دعا النائب البرلماني بيرام الداه اعبيد، في رسالة مؤرخة في 13 سبتمبر 2026، إلى إجراء تدقيق مستقل في عدد من الملفات المرتبطة بقطاع الرقمنة، مطالبا السلطات بنشر الوثائق والمعطيات المتعلقة بمنح تراخيص الاتصالات وإبرام صفقات البنى التحتية الرقمية الكبرى.
ويضع هذا الطلب الحكومة أمام اختبار واضح:

هل تستطيع أن تجعل مشاريع التحول الرقمي قابلة للتدقيق العمومي، لا مجرد مشاريع تعلن أرقامها وتحتفل بإنجازاتها؟

● الجيل الخامس.. من يملك حق النفاذ وبأي شروط؟
أثار السيد بيرام تساؤلات جوهرية  حول الظروف التي حصلت بموجبها شركة «ريماتل» على النفاذ إلى خدمات الجيل الخامس، مطالبا بتوضيح الأساس القانوني والتنظيمي والمالي الذي استندت إليه العملية.
والسؤال هنا لا يتعلق بشركة بعينها بقدر ما يتعلق بمبدأ عام: عندما تمنح الدولة امتيازاً أو ترخيصاً في قطاع استراتيجي، فمن حق الرأي العام أن يعرف القواعد التي حكمت ذلك القرار، وشروط المنافسة، والالتزامات المالية والتقنية، وما إذا كانت القواعد نفسها قد طبقت على جميع الفاعلين.
فالشفافية لا تعني التشكيك في كل قرار إداري، كما أن طلب الوثائق لا يعني افتراض وجود مخالفة. لكنها تعني ببساطة أن القرارات التي تمس الموارد العمومية والأسواق الاستراتيجية ينبغي أن تكون قابلة للفحص والمراجعة.

●مركز البيانات الوطني.. خمسة مليارات تفتح باب الأسئلة
ومن الملفات التي أثارها النائب مشروع مركز البيانات الوطني في نواكشوط، الذي أُسندت أشغاله في إطار صفقة تتجاوز قيمتها خمسة مليارات أوقية قديمة.
وهنا تتجاوز الأسئلة مسألة حجم الصفقة إلى ما هو أكثر أهمية:

هل أصبح المركز جاهزا للعمل بكامل طاقته؟ وكيف تمت عملية الاستلام؟ وما الاختبارات الفنية التي أُجريت قبل اعتماد المشروع وصرف مستحقاته؟
فالمنشآت الرقمية ليست مباني إسمنتية فقط. قيمتها الحقيقية تكمن في جاهزيتها التقنية، واستمرارية خدماتها، وأمن بياناتها، وقدرتها على تحمل الأعطال والكوارث، ومدى مطابقتها للمواصفات التي أُبرمت الصفقة على أساسها.
ولهذا فإن نشر محاضر الاستلام، وتقارير الاختبارات، والمواصفات الفنية، والجدول الزمني للتنفيذ، سيكون أكثر فائدة من الاكتفاء بالإعلان عن انتهاء المشروع.

● مشروع «رياد».. كم موقعا دخل الخدمة فعليا؟
أما مشروع «رياد»، الهادف إلى ربط أكثر من 300 موقع إداري عبر الألياف البصرية والروابط اللاسلكية، فيطرح سؤالاً بسيطا لكنه حاسم:
كم موقعا من هذه المواقع يعمل فعليا اليوم؟
فالفرق كبير بين مشروع يستهدف ربط أكثر من 300 موقع، ومشروع أنجز فعلا ربط 300 موقع ودخلت خدماته حيز التشغيل.
ولهذا طالب بيرام بنشر شروط الصفقة والمعايير الفنية التي اعتمدت في اختيار الجهة المنفذة، إلى جانب الكشف عن عدد المواقع التي دخلت الخدمة فعليا.
وهو مطلب يمكن أن يحول النقاش من لغة الأرقام المعلنة إلى لغة النتائج القابلة للقياس.

● الرقمنة لا ينبغي أن تتحول إلى اقتصاد ريعي جديد
أخطر ما في هذا الملف ليس الجدل حول صفقة محددة أو شركة بعينها، وإنما احتمال أن يتحول قطاع الرقمنة نفسه إلى مجال جديد لإعادة إنتاج الامتيازات الاقتصادية المغلقة.
فالتحول الرقمي الذي يفترض أن يبني اقتصادا أكثر تنافسية وشفافية يمكن أن يفقد جزءا من معناه إذا أصبحت تراخيصه وصفقاته ومشاريعه الكبرى محكومة بمعايير غير واضحة أو غير متاحة للرأي العام.
ولهذا شدد بيرام على ضرورة تعزيز المنافسة والشفافية، محذرا مما وصفه بمخاطر ترسيخ اقتصاد ريعي إذا لم تطبق القواعد نفسها على جميع الفاعلين الاقتصاديين.
وهذه نقطة تستحق النقاش بعيدا عن المواقف السياسية: الدولة الحديثة لا تقاس فقط بعدد الألياف التي تمدها، ولا بسرعة الإنترنت التي توفرها، وإنما أيضا بمدى شفافية القرارات التي تصنع بنيتها الرقمية.

● المطلوب ليس الاتهام.. بل كشف الوثائق
في النهاية، لا يحتاج هذا الملف إلى سجال سياسي إضافي بقدر ما يحتاج إلى وثائق.
إذا كانت إجراءات منح تراخيص الجيلين الرابع والخامس سليمة، فلينشر الإطار الذي حكمها. وإذا كان الوضع القانوني والتنظيمي لشركة «ريماتل» واضحا، فليُشرح للرأي العام. وإذا كان مركز البيانات الوطني قد استوفى شروط الاستلام والاختبارات، فلتنشر الوثائق التي تثبت ذلك. وإذا كان مشروع «رياد» قد حقق أهدافه، فليكشف عدد المواقع التي دخلت الخدمة فعليا.
ثم تأتي الرقابة المستقلة لتفصل بين الشبهة والمخالفة، وبين الادعاء والوقائع.
فالمال العام لا يحتاج إلى الدفاع عنه بالتصريحات، وإنما بالوثائق، والمنافسة لا تثبت بالشعارات، وإنما بقواعد معلنة تطبق على الجميع.
وفي قطاع يتقدم بسرعة نحو أن يصبح عصب الدولة والاقتصاد والمجتمع، فإن شفافية الرقمنة ليست مسألة تقنية؛ إنها جزء من شفافية الدولة نفسها.

زر الذهاب إلى الأعلى