باماكو على حافة السقوط… هل تدفع موريتانيا ثمن انهيار الدولة في مالي؟

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله
صحفي ،متابع لقضايا دول الساحل
medabd388@gmail
انواكشوط ، موريتانيا
في منطقةٍ أنهكتها الانقلابات، واستنزفتها الحروب غير المتكافئة، لم يعد السؤال: هل تستقر مالي؟ بل: كم سيكلف انهيارها الجميع؟
الحديث المتصاعد عن تهديد العاصمة باماكو لم يعد مجرد تهويل إعلامي، بل يعكس واقعًا ميدانيًا هشًّا، تتقدّم فيه الجماعات المسلحة خطوةً، وتتراجع الدولة خطوات.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في “سقوط مدينة”، بل في سقوط فكرة الدولة نفسها.
● دولة تتآكل من الداخل
منذ سنوات، تعيش مالي على وقع تفكك بطيء:
جيشٌ منهك، سلطة سياسية نتاج انقلابات متتالية، وشمال ووسط خارج السيطرة الفعلية.
في هذا الفراغ، تمددت جماعات مسلحة، أبرزها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، التي لم تعد تكتفي بضربات خاطفة، بل أصبحت تدير مناطق كاملة، وتفرض أنماط حكم موازية.
الخطير هنا أن هذه الجماعات لم تعد “خارج الدولة” فقط، بل صارت بديلًا عنها في بعض المناطق:
تفرض الضرائب، تدير النزاعات، وتتحكم في طرق التجارة.
● باماكو… الهدف الرمزي والعملي
العاصمة ليست مجرد مركز إداري، بل هي آخر قلاع الشرعية.
سقوط باماكو — إن حدث — يعني عمليًا:
▪︎ انهيار مؤسسات الحكم
▪︎ فقدان السيطرة على القرار العسكري
▪︎ انتقال الصراع من الأطراف إلى قلب الدولة
وهنا يتحول النزاع من “تمرد مسلح” إلى “فراغ سيادي شامل”.
● موريتانيا… في مرمى الارتدادات
بالنسبة إلى موريتانيا، لا يتعلق الأمر بجار مضطرب فقط، بل بجبهة مفتوحة محتملة.
ففي حال تفكك الدولة المالية، ستجد موريتانيا نفسها أمام ثلاث موجات خطيرة:
1- موجة بشرية ضاغطة
آلاف، وربما مئات الآلاف، من اللاجئين الفارين من العنف.
وهنا تتحول الأزمة الإنسانية إلى ضغط اقتصادي واجتماعي وامني على دولة تعاني أصلًا من هشاشة البنى التحتية وضعف الخدمات العامة.
2- موجة أمنية خفية
تسلل عناصر مسلحة داخل تدفقات المدنيين، وعودة شبكات التهريب بقوة، من سلاح ومخدرات وبشر.
الحدود الطويلة ستصبح خطوط تماس لا يمكن ضبطها بالكامل.
3. موجة فوضى اقتصادية
تعطل طرق التجارة البرية، وارتفاع تكاليف النقل، وانكماش المبادلات مع العمق الإفريقي.
بكلمات أخرى: الاقتصاد سيدفع ثمنًا صامتًا لكنه قاسٍ.
● أين تقف المنظومة الإقليمية؟
المفارقة أن المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، التي يُفترض أن تكون صمام أمان، تعاني هي نفسها من تصدعات داخلية.
الخلافات السياسية، وانسحاب بعض الدول، أفقدتها القدرة على التدخل الحاسم.
وفي ظل هذا الضعف، تتقدم قوى أخرى — إقليمية ودولية — لملء الفراغ، لكن دون ضمان تحقيق الاستقرار، بل أحيانًا تعميق التعقيد.
● بين خطاب الطمأنة وواقع الهشاشة
في الداخل الموريتاني، يسود خطاب رسمي يراهن على “التحصين الأمني” ونجاح التجربة الوطنية في مكافحة الإرهاب.
وهذا صحيح جزئيًا.
لكن الرهان على الأمن وحده قد يكون قصير النظر.
فالأزمات الحديثة لا تعبر الحدود بالسلاح فقط، بل بالفقر، والنزوح، والانهيارالاجتماعي والتدهور الاقتصادي.
▪︎ السؤال الذي يجب أن يُطرح بجدية:
هل لدى موريتانيا استراتيجية شاملة للتعامل مع سيناريو انهيار مالي؟
أم أن البلاد تكتفي بردّ الفعل بدل الاستباق؟
● الخطر الحقيقي: الفوضى البطيئة
ربما لا تسقط باماكو غدًا.
لكن الأخطر أن تظل الدولة المالية في حالة نزيف دائم:
لا هي مستقرة، ولا هي منهارة بالكامل.
هذه الحالة الرمادية هي البيئة المثالية لنمو التطرف، وتحوّل الساحل إلى حزام فوضى مفتوح بسبب الفقر والتخلف.
● حين تصبح الحدود وهمًا
في الجغرافيا، تفصل الحدود بين الدول.
لكن في الأزمات، تتحول هذه الحدود إلى خطوط وهمية.
استقرار مالي ليس خيارًا إنسانيًا فقط، بل ضرورة أمنية لموريتانيا والمنطقة.
وأي تأخر في قراءة الخطر، أو التقليل من حجمه، قد يجعل الجميع يدفع الثمن… ولكن بعد فوات الأوان.




