
محمد عبدالرحمن ولد عبدالله
صحفي ،متابع لقضايا دول الساحل
medabd388@gmail
انواكشوط ، موريتانيا
في خضم التحولات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الساحل، برزت روسيا كلاعبٍ رئيسي في المشهد المالي، مستفيدة من تراجع النفوذ الغربي، خاصة بعد انسحاب فرنسا وتراجع دور الأمم المتحدة في حفظ الاستقرار. غير أن هذا الحضور الروسي المتنامي يثير تساؤلات عميقة حول طبيعته وأهدافه، خصوصًا في ظل ما يبدو أنه ازدواجية واضحة بين الخطاب والممارسة.
● خطاب السيادة… أداة جذب
تقدم موسكو نفسها كشريك يحترم سيادة الدول ويرفض التدخل في الشؤون الداخلية، وهو خطاب وجد صدى لدى المجلس العسكري في مالي بقيادة أسيمي غويتا، الذي وصل إلى السلطة عقب سلسلة من الانقلابات. هذا الطرح الروسي، القائم على رفض “الوصاية الغربية”، منح السلطات المالية غطاءً سياسياً لمواجهة الضغوط الدولية، خاصة فيما يتعلق بالانتقال الديمقراطي وملف حقوق الإنسان.
لكن هذا الخطاب، رغم جاذبيته، يخفي وراءه واقعًا أكثر تعقيدًا.
● على الأرض… نفوذ بلا مساءلة
في المقابل، تعتمد روسيا في مالي على أدوات غير تقليدية، أبرزها مجموعة فاغنر، التي تقدم نفسها كشركة أمنية خاصة، لكنها عمليًا تمثل ذراعًا غير رسمية للسياسة الروسية. وجود هذه المجموعة ارتبط بتقارير متعددة عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، خاصة في مناطق وسط وشمال مالي.
وتكشف تقارير منظمات دولية عن عمليات عسكرية مشتركة بين القوات المالية وعناصر فاغنر، أسفرت عن سقوط مدنيين، في سياق حرب مفتوحة ضد الجماعات المسلحة. هنا تتجلى المفارقة: روسيا التي ترفع شعار السيادة وعدم التدخل، تشارك فعليًا في رسم معادلات القوة داخل البلاد، دون أي إطار قانوني شفاف أو مساءلة دولية.
● الاقتصاد في قلب المعادلة
لا يقتصر الحضور الروسي على البعد الأمني، بل يمتد إلى المجال الاقتصادي، خاصة في قطاعي التعدين والطاقة. فهناك مؤشرات على سعي شركات مرتبطة بموسكو للحصول على امتيازات في مناجم الذهب، مقابل الدعم العسكري والسياسي.
هذا النمط من “التبادل غير المتكافئ” يعيد إلى الأذهان نماذج قديمة من النفوذ، حيث تتحول الموارد الطبيعية إلى ثمن للحماية، بدل أن تكون رافعة للتنمية الوطنية.
● بين البديل والنسخة المكررة
ما يثير الجدل هو أن روسيا تقدم نفسها كبديل للنفوذ الغربي، لكنها في كثير من الأحيان تعيد إنتاج نفس الآليات: دعم أنظمة غير منتخبة، تغليب المصالح الاستراتيجية على حقوق الإنسان، واستغلال هشاشة الدول لتعزيز النفوذ.
في هذا السياق، يبدو أن مالي لم تخرج فعليًا من دائرة التبعية، بل انتقلت من محور إلى آخر، مع اختلاف في الأدوات لا في الجوهر.
● تداعيات إقليمية مقلقة
تمتد آثار هذه السياسة إلى ما هو أبعد من مالي، لتشمل منطقة الساحل بأكملها، بما فيها موريتانيا والنيجر وبوركينا فاسو. فتصاعد النفوذ الروسي، مقرونًا بتراجع التنسيق الدولي، يهدد بتعقيد جهود مكافحة الإرهاب، ويزيد من احتمالات تحول المنطقة إلى ساحة صراع نفوذ مفتوح.
● السيادة كذريعة أم كهدف؟
في النهاية، تطرح التجربة المالية سؤالًا جوهريًا: هل تمثل روسيا شريكًا حقيقيًا يسعى إلى تعزيز سيادة الدول، أم أنها توظف هذا الشعار كأداة لإعادة تشكيل نفوذها العالمي؟
الواقع يشير إلى أن السيادة، في السياق الروسي، قد تتحول من مبدأ إلى وسيلة، تُستخدم لتبرير حضور لا يخلو من التناقض، في بلدٍ يبحث عن الاستقرار، لكنه يجد نفسه عالقًا بين قوى تتنافس على أرضه، أكثر مما تسعى إلى إنقاذه.