في اليوم الدولي للصحافة … من يحرّر الحقيقة؟

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله
صحفي ، وكاتب
medabd388@gmail
كل عام، يمرّ اليوم العالمي لحرية الصحافة محمّلًا بالشعارات ذاتها: استقلالية، مهنية، شفافية. تُرفع اللافتات، وتُتلى البيانات، وكأن الكلمات وحدها قادرة على ترميم واقعٍ يتآكل بصمت. لكن في موريتانيا، لا يبدو هذا اليوم مناسبة للاحتفال بقدر ما هو لحظة مواجهة مؤلمة مع سؤال بسيط وخطير: هل ما زال لدينا إعلام حر… أم مجرد صورة تُخفي ما وراءها؟
المعضلة لم تكن يومًا في غياب النصوص أو القوانين، بل في الطريقة التي جرى بها تفريغها من روحها. لم تُقمع حرية الصحافة دائمًا بالمنع المباشر، بل أُفرغت تدريجيًا عبر شبكة مصالح معقدة، حيث تحوّلت مؤسسات إعلامية إلى منصات ترويج، وصار الصحفي — في كثير من الأحيان — مجرد ناقلٍ مطيع، لا صانع رأي ولا كاشف حقيقة. لم يُغتال الصوت الحر، بل حُوصِر، ثم أُنهك، ثم استُبدل بضجيجٍ أكثر قابلية للتدجين.
في هذا السياق، ظهرت ظاهرة أشد خطورة: تضخّم “أشباه الصحفيين”. هؤلاء لا يعانون فقط من ضعف التأهيل، بل يرتبط بعضهم — بشكل مباشر أو غير مباشر — بالبنية ذاتها التي يُفترض بالإعلام أن يراقبها. يُقدَّمون كوجوه إعلامية، بينما وظيفتهم الحقيقية هي إعادة تدوير الخطاب الرسمي، وتجميل الإخفاق، وصناعة تشويشٍ ممنهج يُبعد الأنظار عن القضايا الجوهرية. وهكذا، يتحول الإعلام من سلطة رقابة إلى أداة إخفاء.
الأخطر من ذلك كله، ليس مجرد تراجع المهنية، بل انهيار المعايير. حين يصبح القرب من مراكز النفوذ معيارًا للتقدّم، وتتراجع الكفاءة إلى الهامش، وحين يُكافأ الصمت أكثر من الجرأة، يفقد الإعلام معناه. عندها، لا يعود الصحفي شاهدًا على الحقيقة، بل يتحوّل — بوعي أو بدونه — إلى جزء من ماكينة طمسها.
هذا الواقع لا ينشأ من فراغ، بل يجد جذوره في ما يمكن تسميته بـ”الوعي الجمعي المتسامح مع التناقض”. حيث تتعايش ازدواجية الخطاب بشكل طبيعي، ويُقبل الانحراف كأنه ضرورة، لا خطيئة. في مثل هذا المناخ، لا يُنظر إلى بيع الضمير كخيانة، بل كنوع من “التكيّف”. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية: حين يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والانحراف إلى سلوك عادي.
ومع ذلك، فالصورة ليست قاتمة بالكامل. فكل انحدار يحمل في داخله إمكانية التصحيح. استعادة الصحافة لدورها لا تبدأ من الخارج، بل من داخلها: من مراجعة جذرية للذات، من إعادة الاعتبار للمعايير، من كسر علاقة التبعية، ومن إعادة تعريف الصحفي كفاعلٍ لا تابع.
الإعلام لا يُستعاد بالشعارات، بل بالمواقف. لا يُبنى بالولاء، بل بالمساءلة. ولا يستعيد قوته إلا حين يجرؤ على طرح السؤال الذي يخشاه الجميع.
في هذا اليوم، لا يكفي أن نرفع شعار حرية الصحافة،
بل علينا أن نواجه السؤال الحقيقي:
من اختطفها… ومن سمح بذلك؟




