من يتحدث باسم الدولة ؟ أزمة خطاب أم أزمة حكم؟!

محمد عبدالرحمن ولد عبد الله
صحفي ، وكاتب
medabd388@gmail
في ظل تصاعد القلق الشعبي وتنامي التحديات الإقليمية، لم يعد غياب الخطاب الرسمي مجرد تفصيل عابر، بل تحوّل إلى أزمة قائمة بذاتها، تفتح المجال أمام الارتجال، وتُفرغ مفهوم “السلطة” من محتواه. فحين تصمت الرئاسة، ويغيب صوت المؤسستين العسكرية والأمنية، يصبح أي تصريح محلي – مهما كان موقع صاحبه – محمّلًا بما لا يحتمل، ومطالبًا بسد فراغ ليس من اختصاصه.
هكذا جاء حديث أحد الولاة في لحظة حساسة، فتم تضخيمه وتأويله، ليس فقط بسبب مضمونه، بل لأن السياق العام كان خاليًا من أي توجيه رسمي واضح. لقد وجد الرأي العام نفسه أمام “صوت وحيد” في ملف معقد، يتعلق بالأمن القومي والعلاقة مع الجارة مالي، في وقت كان يفترض أن تتقدم فيه الدولة، بكل مؤسساتها، بخطاب متماسك يحدد الموقف ويطمئن المواطنين.
هذا الفراغ ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة نمط من التسيير قائم على ما يمكن وصفه بـ”سياسة النعامة”، حيث يتم تجنب المواجهة العلنية مع الأزمات، وتركها تتفاقم في صمت. وهي سياسة أثبتت محدوديتها، بل وخطورتها، لأن الفراغ في السياسة لا يبقى فارغًا؛ بل تملؤه الإشاعات، والتأويلات، وأحيانًا التصريحات غير المحسوبة.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن هناك من يرى في تصريح الوالي موقفًا في محله، خاصة في ظل ما تعيشه مالي من تعقيدات أمنية، ووجود مجموعات مسلحة ومرتزقة داخل نسيجها العسكري. من هذا المنظور، قد يُفهم الخطاب الحازم باعتباره رسالة ردع، هدفها تأكيد الجاهزية، ورسم “خطوط حمراء” واضحة، سواء للداخل أو للخارج. كما أنه يحمل بعدًا نفسيًا، يسعى إلى طمأنة المواطن الموريتاني الذي يعيش أصلًا تحت ضغط أزمة اقتصادية خانقة، جعلت الخوف مضاعفًا: خوف من الداخل، وخوف من المجهول على الحدود.
غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في مضمون التصريح بقدر ما يكمن في موقعه. فالقضايا السيادية الكبرى لا تُدار عبر أصوات ثانوية، بل عبر مؤسسات واضحة الصلاحيات، تتحمل مسؤوليتها أمام الشعب. وعندما يُترك هذا الدور لفاعلين خارج الدائرة المركزية، فإن ذلك يعكس خللًا في هرم القرار، ويطرح تساؤلات جدية حول من يقود، ومن يقرر، ومن يطمئن.
ثم إن الانزلاق نحو خطاب التصعيد، حتى وإن كان مبررًا في بعض جوانبه، يجب أن يُوازن بحكمة سياسية، خاصة حين يتعلق الأمر بدولة جارة مثل مالي، تربطها بموريتانيا علاقات تاريخية واجتماعية عميقة. فالحرب ليست خيارًا بسيطًا، بل مغامرة مكلفة، في وقت تعاني فيه البلاد أصلًا من أزمات اقتصادية واجتماعية حادة. والسؤال هنا: هل نحن بحاجة إلى فتح جبهة جديدة، أم إلى إدارة هادئة للأزمة، تحفظ السيادة دون أن تُشعل فتيل مواجهة غير محسوبة؟
في النهاية، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا مما يُراد لها أن تبدو. فالمشكلة ليست في تصريح والي، ولا حتى في ردود الفعل عليه، بل في بنية سياسية سمحت بأن يتحول “الصمت الرسمي” إلى خطر بحد ذاته. وعندما تصل الدولة إلى مرحلة يُستمد فيها الإحساس بالأمان من تصريحات هامشية، فذلك مؤشر مقلق على تراجع الثقة، وتآكل مركزية القرار.
إن استعادة هذه الثقة لا تتطلب فقط ضبط الخطاب، بل إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، وتوضيح من يتحدث باسمها، وكيف، ومتى. لأن الدولة التي تترك الفراغ، لا تملك أن تتحكم في ما سيملؤه.





