مقابلات وتحقيقات

أمازيغ موريتانيا.. ذاكرة منسية وهوية تحت الرماد.!

 

■ تحقيق :
محمدعبدالرحمن ول عبدالله
كاتب صحفي..  أنواكشوط

في صمتٍ يُشبه الغياب، وعلى أطراف السرديات الرسمية التي شكّلت الهوية الوطنية، تقف الجذور الأمازيغية في موريتانيا كأطلال منسية، تخنقها التحولات العاصفة، ويمحوها الزمان من الألسن والعقول دون مقاومة تُذكر. في بلد تتسيد فيه الثقافة الحسانية، لم يبقَ من ملامح الأمازيغ سوى أسماء عائلات متناثرة، وعادات تقاوم الذوبان، وأصداء لغة رحلت دون وداع.

■ من هم أمازيغ موريتانيا؟

يعود الأمازيغ في موريتانيا إلى مجموعتين أساسيتين: الزناتيين والصنهاجيين، وهما من أقدم سكان الصحراء الكبرى. الصنهاجيون – وهم الأكثر عدداً – شكلوا العمود الفقري للجيش المرابطي الذي أسس أول دولة مغاربية عابرة للحدود، وكانوا يوماً ما سادة القوافل والتجارة والعلم.وتوجد روايات اخري تعتبر أن صنهاجة من أصول عربية، سكنوا مع البربرفي المغرب الأقصي ،لعدة قرون.وتأثروا بثقافتهم.ويري البعض الأخر أن القبائل المنحدرة من لمتونه هي وحدها التي أصولها عربية حمييرية يمنية.وقد هاجرت منذو قرون الي المغرب وموريتانيا .ومهما يكن فإن مجموعة قبائل صنهاجة ، قدلعبت  دورا محوريا.في المغرب العربي والاندلس بل

وفي تاريخ المنطقة، بأسرها.لعب هؤلاء دوراً محورياً في تأسيس الحواضر الكبرى من سجلماسة إلى أوداغست، ومروا بمدن كبرى في شنقيط وولاتة. غير أن مرور الزمن لم يكن لصالحهم، إذ ذابت هويتهم تدريجياً تحت وطأة اللسان الحساني وامتدادات الهجرات العربية.

■ مسار الطمس: من الاندماج إلى الإقصاء.

في البداية، لم يكن الاندماج الثقافي مأساة، بل كان تعايشاً مرناً بين مكونات سكانية متعددة. غير أن موجات التعريب المتلاحقة، التي قادها بنو حسان،خصوصاً منذ نهاية القرن التاسع عشر، وتعزيز الخطاب الأحادي في عهد الدولة الحديثة، جعلت الأمازيغية شيئاً فشيئاً تُختزل في ذاكرة من لا يتحدثه.

وفي المجتمع العربي البربري، أصبح التصريح بالانتماء الأمازيغي يُفسّر أحياناً على أنه “رجعية قبلية” أو “انتماء هامشي”، بل إن بعض الأسر المتحدّرة من أصول أمازيغية بدأت تُغيّب عمدًا أي إشارة إلى تلك الجذور، إما لتجنّب الإقصاء الاجتماعي أو لمجاراة المنظومة المهيمنة.مما  حدي ببعض البقبائل لإعلان انتسابها لأل البيت فيما اكتفت اخري بالإنتساب للخلفاء الراشدين وبعض الصحابة الأجلاء.!

لكن الهندسة الوراثية،أصبحت عقبة كأداء تفند كل الإدعاءات الباطلة.

■ هل ما زالت هناك بقايا؟

رغم كل ذلك، لا تزال بعض الأسرتحتفظ بأسماء وألفاظ وطقوس ذات جذور بربرية صرفة،، تظهر أحيانًا في الأعراس، أو في مفردات متوارثة عن الجدات، أو في وصفات طبية شعبية، أو تقاليد تتعلق بالدفن، أو حتى في نوعية الأقمشة وزخارف البيوت.

لكن الأمازيغية كلغة، لم تعد متداولة في أي منطقة من موريتانيا اليوم، بل اندثرت بالكامل، باستثناء قلة من الأشخاص في الجنوب الغربي الموريتاني،أغلبهم من الشيب والعجزة.ولقد عرفت تلك المنطقة بتواجد أكبر عدد من البربر فيها حتي عهد قريب،وهنالك  إشارات لغوية باهتة في بعض التسميات الجغرافية، أو في مفردات أدرجها الحسانية في لهجتها دون مصدر معروف.

■ ماذا تقول الوثائق والتاريخ؟

تشير مخطوطات قديمة وكتب مثل “العبر” لابن خلدون إلى الامتداد الأمازيغي للعديد من القبائل الموريتانية، خصوصًا تلك التي سكنت الشمال والشرق والجنوب الشرقي. كما تذكر الوثائق الفرنسية، خلال القرنين 19 و20، تصنيفات إثنية تفيد بأن مكونات كبيرة من “الزوايا” و”لمعلمين” و”الحراطين” تنحدر من أصول بربرية.

هذه الوثائق تقدم خريطة إثنية أُهملت عمدًا بعد الاستقلال، حين أعادت النخبة السياسية تشكيل الهوية الوطنية على أساس عربي-إسلامي خالص، متناسية أو متجاهلة تنوعًا لغويًا وثقافيًا عريقًا.

■ الإعلام والمناهج: تغييب ممنهج

من اللافت أن الإعلام الرسمي في موريتانيا لا يعترف مطلقًا بوجود مكون أمازيغي. لا توجد برامج، ولا وثائقيات، ولا إشارات في المقررات التعليمية إلى هذا التنوع. بل إن الخطاب الرسمي يختصر سكان البلاد في ثنائية (عرب/زنوج)، دون الإشارة إلى أن جزءًاكبيرا من الناطقين بالحسانية  في موريتانيا يحملون في الواقع أصولاً أمازيغية صافية أو مزدوجة.

■ وماذا عن دول الجوار؟

في المغرب والجزائر، ورغم التعقيدات السياسية، بدأ الاعتراف الرسمي باللغة والثقافة الأمازيغيتين منذ مطلع الألفية، وأُنشئت معاهد متخصصة، وأدرجت الأمازيغية كلغة رسمية في الدستور المغربي. أما في موريتانيا، فلا تزال المطالب الأمازيغية غير موجودة، إما بسبب الخوف من النبذ الإجتماعي، أو لغياب الوعي الجمعي بهوية غُيّبت عمداً.

■ هل من أمل للإحياء؟

رغم الصمت الرسمي، بدأت بعض المبادرات الفردية من باحثين ومهتمين تُحاول جمع وتوثيق ما تبقى من الروايات الشفهية الأمازيغية، أو تقديم قراءات جديدة في تاريخ القبائل. وهناك بوادر وعي لدى بعض الشباب الموريتاني تدفع باتجاه التصالح مع الهويات المتعددة، ورفض الأحادية الثقافية.

■ خاتمة:
ليس الهدف من إعادة الاعتبار للهوية الأمازيغية في موريتانيا إثارة الانقسامات أو العودة إلى ماضٍ قبليّ، بل هو جزء من معركة وطنية أوسع: الاعتراف بكل المكونات من أجل وطن جامع. فالهويات لا تُمحى بمراسيم، ولا تُلغى بمناهج. إنها كالجمرة تحت الرماد: قد تُنسى، لكن لا تموت.

زر الذهاب إلى الأعلى