حين تتحول المشاريع العمومية إلى غنائم: من يعرقل تنمية موريتانيا؟

تجقيق إستقصائي :
محمد عبد الرحمن ولد عبد الله
صحفي ، وكاتب
medabd388@gmail..com
● حين تتعثر التنمية خارج المكاتب الرسمية
في موريتانيا، لا تبدأ معاناة المشاريع العمومية دائمًا من نقص التمويل أو ضعف التخطيط، بل كثيرًا ما تبدأ من تدخلات خارج الأطر القانونية، حيث تتحول بعض المشاريع إلى ساحة تنافس بين شبكات مصالح تسعى إلى اقتناص العقود والعمولات.والإستفادة القصوي من الفرص التي يتيحها مناخ الفساد الإداري والمالي.
وبينما تعلن الحكومات المتعاقبة عن برامج تنموية طموحة، تكشف الوقائع على الأرض أن عددًا من هذه المشاريع يتعرض للتأخير أو التعطيل بسبب تضارب المصالح وتدخل النافذين في مسار الصفقات.
النتيجة: مشاريع متأخرة، تكاليف متضخمة، وخدمات أساسية لا تصل إلى المواطنين في الوقت المفترض.
● مشروع سقاية بوگي… حين تتوقف المياه عن منتظريها!
أعادت الأزمة الأخيرة المرتبطة بمشروع سقاية مناطق بوگي بولاية لبراكنه الجدل حول العراقيل التي تواجه المشاريع العمومية في البلاد.
المشروع، الذي دُشّن رسميًا نهاية سبتمبر الماضي ضمن برنامج لتحسين النفاذ إلى المياه، كان من المفترض أن يساهم في التخفيف من أزمة المياه في عدد من القرى التي تعاني منذ سنوات من نقص حاد في هذه الخدمة الحيوية.
لكن، وفق معلومات متداولة من مصادر مهنية في ميناء نواكشوط المستقل، تعثر المشروع بعد وصول شحنة الأنابيب المخصصة له، حيث دخل نائب برلماني في مسار تجاري يتعلق بعملية تفريغ الحمولة.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الأزمة تفجرت بعد مطالبة النائب بتعويض مالي قدره 150 مليون أوقية مقابل خدمة لم تُنجز، قبل أن يتطور الخلاف إلى احتجاز الحمولة لفترة، ما تسبب في تأخير تنفيذ المشروع.
ورغم حساسية القضية، لم يصدر حتى الآن توضيح رسمي شامل يحدد ملابسات الحادثة أو المسؤوليات المرتبطة بها.
لكن القضية، في نظر متابعين، ليست سوى عرضٍ لمرض أعمق يعاني منه نظام تنفيذ المشاريع العمومية في البلاد.
● اقتصاد النفوذ… الوجه غير المرئي للمشاريع
في العديد من الدول النامية، يشير خبراء الاقتصاد السياسي إلى ظاهرة تُعرف بـ اقتصاد النفوذ، حيث تتحول المشاريع العمومية إلى مجال لتقاسم الامتيازات بين شبكات سياسية واقتصادية.
وفي موريتانيا، يظهر هذا النمط خصوصًا في المشاريع المرتبطة بـ:
▪︎ البنية التحتية
▪︎ الطاقة
▪︎ الصيد البحري
▪︎ التعدين
▪︎ المياه
وهي قطاعات تتضمن عادة عقودًا بملايين الدولارات.
في مثل هذه المشاريع، لا يقتصر التنافس على الشركات المنفذة، بل تدخل على الخط شبكات وساطة غير رسمية تحاول فرض نفسها مقابل عمولات مالية.
● الأرقام الدولية… مؤشر مقلق
تعكس المؤشرات الدولية واقع التحديات المرتبطة بالحوكمة في موريتانيا.
فوفق مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة Transparency International، حصلت موريتانيا على 30 نقطة فقط من أصل 100 في مؤشر الفساد لعام 2023، وهو ما يضعها ضمن الدول التي تواجه تحديات كبيرة في مجال الشفافية ومكافحة الفساد.
وتشير تقارير دولية إلى أن أكثر المجالات عرضة للاختلالات المالية والإدارية هي الصفقات العمومية، حيث تتداخل المصالح السياسية مع المصالح الاقتصادية.
تقرير برلماني كشف المستور
في عام 2020، هزّ الساحة السياسية تقرير لجنة برلمانية للتحقيق في ملفات الفساد خلال فترة حكم الرئيس السابق :
محمد ولد عبدالعزيز
التقرير كشف عن تورط مئات المسؤولين ورجال الأعمال في ملفات تتعلق باستغلال النفوذ وسوء إدارة المال العام.
لاحقًا، تحولت بعض هذه الملفات إلى القضاء، في واحدة من أكبر قضايا الفساد في تاريخ البلاد.
هذه القضية كشفت، بحسب مراقبين، حجم التشابك بين السياسة والاقتصاد في إدارة المشاريع والصفقات العمومية.شمل الاتهام 317 شخص ومع ذالك خرج الجميع وعين البعض وتم تدوير البعض الأخر وبقي ولد عبد العزيز وحده في السجن وهو مافسره الرأي العام علي أنه تصفية حسابات كان الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز ضحية لها.
● أربع طرق لتعطيل المشاريع
من خلال متابعة حالات متعددة لمشاريع متعثرة، تظهر مجموعة من الآليات المتكررة التي تستخدم لتعطيل المشاريع أو التحكم في مسارها.
1. فرض الوسطاء
يحاول بعض النافذين فرض شركات أو وسطاء على الشركات المنفذة مقابل عمولات.
2. تعطيل الإجراءات
تُعرقل التصاريح أو الخدمات اللوجستية لإجبار الشركات على التفاوض.
3. تضخيم الكلفة
يتم إدراج خدمات غير ضرورية أو فواتير مبالغ فيها داخل العقود.
4. النزاعات القانونية
يتم خلق نزاعات تعاقدية بهدف الحصول على تعويضات مالية.
●المشاريع العمومية… من أداة تنمية إلى “غنيمة”
في الأدبيات الاقتصادية، يُستخدم مصطلح اقتصاد الغنيمة لوصف الحالات التي تتحول فيها الموارد العامة إلى مصدر للإثراء الخاص.
وفي مثل هذه الحالات، تصبح المشاريع العمومية أهدافًا اقتصادية بحد ذاتها بدل أن تكون وسائل لتحقيق التنمية.
في موريتانيا، حيث تعتمد الدولة بشكل كبير على الموارد الطبيعية مثل الحديد والصيد البحري، تصبح هذه المشاريع مجالًا جذابًا لتنافس شبكات النفوذ.
● المواطن… الضحية الصامتة
وسط هذه الصراعات الخفية، يبقى المواطن هو الخاسر الأكبر.
فعندما يتأخر مشروع مياه:
يضطر السكان إلى شراء المياه بأسعار مرتفعة.
وعندما يتعطل طريق:
ترتفع تكاليف النقل وأسعار المواد الأساسية.
وعندما يتأخر مشروع صحي:
تستمر معاناة المرضى مع نقص الخدمات.
بعبارة أخرى، فإن الفساد في المشاريع العمومية ليس مجرد قضية مالية، بل أزمة اجتماعية تمس حياة الناس بشكل مباشر.
● هل يمكن كسر الحلقة؟
يرى خبراء الحوكمة أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب إصلاحات عميقة، أبرزها:
تطبيق صارم لقوانين تضارب المصالح.
نشر تفاصيل الصفقات العمومية للعموم.
تمكين أجهزة الرقابة من العمل باستقلالية.
حماية الشركات المنفذة من الضغوط السياسية.
تعزيز دور الصحافة الاستقصائية.
● معركة التنمية الحقيقية
موريتانيا ليست دولة فقيرة بالموارد.
فهي تمتلك ثروات معدنية وبحرية كبيرة، إضافة إلى إمكانات زراعية مهمة.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في نقص الموارد، بل في كيفية إدارة هذه الموارد وحماية المشاريع العمومية من شبكات المصالح.
فالتنمية لا يمكن أن تتحقق إذا بقيت المشاريع رهينة صراعات النفوذ، أو تحولت إلى مصدر للإثراء غير المشروع.
ويبقى السؤال الذي يطرحه المواطن الموريتاني اليوم:
هل ستصبح المشاريع العمومية أدوات لخدمة المجتمع، أم ستظل ساحة مفتوحة لتكالب بعض النافذين على المال العام؟







