مقالات

اختراق الساحل : كيف توغلت شركات التكنولوجيا الإسرائيلية في أنظمة الاتصالات بالمنطقة

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله
صحفي ، وكاتب
باحث في قضايا دول الساحل
medabd388@gmail

 

 

لم يعد الصراع على النفوذ في
إفريقيا يقتصر على القواعد العسكرية أو عقود المعادن والطاقة. في العقد الأخير انتقل التنافس الدولي إلى مجال أكثر حساسية: البيانات والبنية التحتية الرقمية.
فالدول التي تسيطر على الأنظمة الرقمية – من شبكات الاتصالات إلى قواعد البيانات – تمتلك قدرة غير مسبوقة على فهم المجتمعات، مراقبة التحولات السياسية، والتأثير في القرارات الاقتصادية والأمنية.
في المنطقة.
● اختراق الساحل
في إفريقيا، بدأت تظهر مؤشرات متزايدة على دخول شركات تكنولوجيا مرتبطة بإسرائيل إلى هذا المجال، مستفيدة من حاجة الحكومات الإفريقية إلى تحديث بنيتها الرقمية.
ومن بين الملفات التي أثارت الجدل في هذا السياق، قضية منح دور لشركة Infocom في مشروع يتعلق بالهواتف المحمولة في موريتانيا، بعد تواجدها في النيجر،واتشاد ،وهي قضية أعادت طرح سؤال أوسع:
هل أصبحت الرقمنة بوابة جديدة لاختراق السيادة الرقمية لدول الساحل؟
● التكنولوجيا… سلاح النفوذ الجديد
خلال العقدين الماضيين أصبحت إسرائيل واحدة من أكبر القوى العالمية في مجال الأمن السيبراني وتكنولوجيا المراقبة.
فشركاتها طورت تقنيات متقدمة تستخدمها الحكومات في مجالات:
مراقبة الاتصالات
▪︎ تحليل البيانات الضخمة
▪︎ الأمن السيبراني
▪︎ التعرف البيومتري
وقد أصبحت هذه الشركات جزءًا من سوق عالمي ضخم يعتمد على بيع الأنظمة الأمنية الرقمية للحكومات.
لكن العديد من هذه التقنيات أثار جدلًا عالميًا، خصوصًا بعد فضيحة برنامج التجسس الشهير Pegasus الذي طورته شركة ،إسرائيلية و استخدم في عدة دول لمراقبة سياسيين وصحفيين.
● إفريقيا… السوق الجديدة للتكنولوجيا الأمنية
في السنوات الأخيرة تحولت إفريقيا إلى سوق مهمة لشركات التكنولوجيا الأمنية.
فالقارة تعيش تحولًا رقميًا سريعًا، لكن كثيرًا من الدول لا تمتلك القدرات التقنية لبناء أنظمتها بنفسها.
وهنا تدخل الشركات الأجنبية لتقديم حلول جاهزة تشمل:
▪︎ مراقبة الاتصالات
▪︎ أنظمة تسجيل الهواتف
▪︎ قواعد البيانات البيومترية
▪︎ أنظمة الجمارك الرقمية
هذه المجالات تم اختيارها بدقة لماتكتسيه من أهمية أمنية واستخباراتية لإسرائيل.
في غرب إفريقيا تحديدًا، أصبحت هذه الأنظمة جزءًا من سياسات مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية.
لكن خبراء الأمن السيبراني يحذرون من أن هذه الأنظمة قد تمنح الشركات المشغلة وصولًا غير مسبوق إلى بيانات المواطنين. والمسؤولين والهيأت الرسمية
● لغز شركة Infocom
في موريتانيا ظهر اسم شركة Infocom في سياق مشروع يتعلق بتنظيم أو جمركة الهواتف المحمولة.
المعطيات المتاحة حول الشركة تشير إلى وجود كيان يحمل هذا الاسم في النيجر يعمل في مجال الخدمات المعلوماتية.
لكن حجم الشركة المعلن لا يتناسب – وفق بعض المراقبين – مع مشروع تقني واسع قد يشمل إدارة نظام وطني لتسجيل الهواتف.
وهنا يبرز سؤال أساسي:
هل الشركة هي الفاعل الحقيقي في المشروع… أم مجرد واجهة لكيان تكنولوجي أكبر؟
في مشاريع الرقمنة الحكومية في إفريقيا، كثيرًا ما يتم إنشاء شركات محلية أو إقليمية لتكون واجهة قانونية، بينما يتم تشغيل الأنظمة التقنية فعليًا من طرف شركات دولية.
ويقول محللون إن غياب الشفافية حول المالكين الحقيقيين للشركات الرقمية في المنطقة يجعل من الصعب تحديد الجهات التي تتحكم فعليًا في هذه الأنظمة.
● السيطرة على الهواتف… السيطرة على البيانات
الهواتف المحمولة ليست مجرد أدوات اتصال.
بل أصبحت مفاتيح للحياة الرقمية للأفراد.
أي نظام رقمي يسجل أو يتحكم في الهواتف يمكن أن يتعامل مع بيانات مثل:
▪︎ رقم الجهاز (IMEI)
▪︎ رقم الهاتف
▪︎ هوية المستخدم
▪︎ سجل الاتصالات
▪︎ الموقع الجغرافي
وفي عالم الاستخبارات الرقمية، تشكل هذه البيانات كنزًا معلوماتيًا.
لهذا السبب تعتبر أنظمة مراقبة الاتصالات من أكثر التقنيات حساسية في العلاقات الدولية.
● تجربة الدول الإفريقية
عدة دول إفريقية طبقت أنظمة تسجيل أو مراقبة الهواتف.
لكن النتائج كانت مثيرة للجدل.
في بعض الحالات أدت هذه الأنظمة إلى:
▪︎ ارتفاع أسعار الهواتف
▪︎ توسع السوق السوداء
▪︎ مخاوف من انتهاك الخصوصية
كما أن تقارير دولية حذرت من أن بعض الأنظمة الرقمية التي تم تركيبها في إفريقيا تم تطويرها من طرف شركات أجنبية تمتلك القدرة التقنية للوصول إلى البيانات.
● الاقتصاد الخفي للصفقات الرقمية
إلى جانب البعد الأمني، هناك بعد اقتصادي مهم.
في كثير من العقود الرقمية المشابهة تحصل الشركات المشغلة للنظام على نسبة من الرسوم التي يتم تحصيلها عبر المنصة.
وقد تتراوح هذه النسبة بين:
10% و30%.
في بلد مثل موريتانيا، حيث تدخل مئات الآلاف من الهواتف سنويًا، يمكن أن تتحول هذه الأنظمة إلى مشاريع مربحة للغاية.
لكن المشكلة ليست فقط في الأرباح.
بل في من يسيطر على المنصة الرقمية نفسها.
● معركة السيادة الرقمية في الساحل
منطقة الساحل أصبحت ساحة تنافس دولي بين عدة قوى:
▪︎ الولايات المتحدة
▪︎ الصين
▪︎ روسيا
▪︎ اسرائيل
▪︎ الاتحاد الأوروبي
وفي السنوات الأخيرة دخلت إسرائيل بقوة إلى هذا المجال عبر التكنولوجيا الأمنية.
ويرى بعض الباحثين أن السيطرة على الأنظمة الرقمية في إفريقيا قد تصبح أحد أهم أدوات النفوذ الجيوسياسي في المستقبل.
فالدولة التي تتحكم في:
▪︎ البيانات
▪︎ الشبكات
▪︎ انظمة المراقبة
تمتلك نفوذًا يتجاوز بكثير النفوذ العسكري التقليدي.
السؤال الذي يجب أن يُطرح
قضية شركة Infocom ليست مجرد نقاش تقني حول جمركة الهواتف.
بل جزء من سؤال أكبر:
هل تمتلك دول الساحل القدرة على حماية سيادتها الرقمية في عصر أصبحت فيه البيانات أحد أهم مصادر القوة في العالم؟
ففي النهاية، لم يعد السؤال:
كم ستجني الدولة من الرسوم؟
بل:
من يملك مفاتيح البيانات؟
ومن يتحكم في الأنظمة الرقمية التي تدير حياة ملايين المواطنين؟
ذلك هو السؤال الحقيقي الذي سيحدد شكل السيادة في إفريقيا خلال العقود القادمة.
زر الذهاب إلى الأعلى