ماريام تمارا-فارين… حكاية جذور متعددة تلهم الثقة في قلب بلدية فرنسية

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله
صحفي ، .وكاتب ، انواكشوط
medabd388@gmail.com
” قصة صحفية ”
في بلدية صغيرة هادئة جنوب
شرق باريس، حيث تبدو الحياة اليومية بسيطة في ظاهرها لكنها غنية بتفاصيل الإدارة الدقيقة، تُكتب قصة ماريام تمارا-فارين من جديد… ولكن هذه المرة بثقة متجددة من المواطنين.
لم يكن صباح إعلان نتائج الانتخابات المحلية عاديًا في يابل. فقد حمل رسالة واضحة: السكان لا يصوّتون فقط لاسم، بل لمسار، لمسؤولة قريبة منهم، تعرف شوارعهم، تستمع لانشغالاتهم، وتحوّل وعودها إلى أفعال. وهكذا، جددت البلدية ثقتها في عمدة اختارت أن تكون جزءًا من حياتهم اليومية، لا مجرد واجهة إدارية.
في يوم الأحد 15 مارس 2026، أخذت هذه الثقة بُعدًا استثنائيًا، حيث أُعيد انتخاب ماريام تمارا-فارين بنسبة 100٪ من الأصوات المعبر عنها، وهي نتيجة نادرة تعكس إجماعًا كاملاً على حصيلتها وأسلوبها في التسيير.
تنحدر ماريام فرنسية-موريتانية، وتحديدا من مجموعة البولار وتحمل في داخلها قصة تربط بين ضفتين. وتحديدًا، تعود جذورها إلى مقاطعة بابابي ولاية لبراكنه في وادي نهر السنغال، ذلك الفضاء الغني بالذاكرة والثقافة وروح الصمود. ومن هناك تستمد جزءًا عميقًا من هويتها والتزامها.
لم تصل إلى هذا المنصب صدفة. فقد نشأت في بيئة مزدوجة الثقافة، امتزجت فيها الصرامة الإدارية الفرنسية بروح التضامن الاجتماعي المتجذرة في أصولها الموريتانية. ولم يكن هذا المزيج مجرد هوية، بل أصبح منهج عمل.
في مسيرتها، لم تكن ماريام تبحث عن الأضواء بقدر ما كانت تسعى إلى الفعالية. خلال ولايتها الأولى، ركزت على ما قد يبدو للبعض تفاصيل صغيرة: تحسين الخدمات المحلية، دعم المبادرات القريبة من المواطنين، تعزيز العلاقة بين البلدية والسكان، والانفتاح على برامج التكوين وتبادل الخبرات. لكنها كانت تدرك أن هذه “التفاصيل” هي ما يصنع الفرق الحقيقي في حياة الناس.
كما أن لهذا التوجه جذورًا عائلية. فهي ابنة عبد الرحمن ولد وات، الإطار السابق في وزارة المالية الموريتانية، المعروف بدوره في تطوير التكوين المهني المستمر وإعادة تأهيل الكفاءات الإدارية. وفي هذا المناخ، تشكل وعيها مبكرًا بأهمية الاستثمار في الإنسان قبل الهياكل.
هذا الإرث لم يكن عبئًا، بل كان رافعة. فقد حملت ماريام فكرة بسيطة وعميقة: الحكم ليس سلطة تُمارس، بل خدمة تُقدّم. وربما كانت هذه الرؤية هي ما مكّنها من كسب ثقة سكان بلدية يابل الفرنسية، رغم اختلاف الأصول والهويات.
ولا تُقرأ إعادة انتخابها اليوم كنجاح شخصي فحسب، بل كقصة أوسع: قصة جيل جديد من الكفاءات الموريتانية متعددة الانتماء، القادرة على التنقل بين عالمين دون أن تفقد توازنها، وعلى بناء جسور حقيقية بين ضفتين.
هذا الفوز لم يُحتفل به داخل يابل فقط، بل تجاوزه إلى ما هو أبعد. من وادي النهر إلى أوساط الجالية في الخارج، توالت رسائل الفخر والتهنئة، احتفاءً بـ“ابنة بارّة” يشرف مسارها أصولها.
تهانينا لماريام، ابنة بابابي
أحرّ وأصدق التهاني لماريام وات، ابنة جاليتنا التي نفتخر بها.
في زمن تتصاعد فيه الأسئلة حول الهوية والانتماء، تقدم تجربة ماريام تمارا-فارين إجابة مختلفة: يمكن للهوية أن تكون قوة، ويمكن لتعدد الجذور أن يتحول إلى مشروع، لا إلى عبء.
وهكذا، في بلدية صغيرة تُدعى يابل، تتشكل حكاية أكبر… حكاية امرأة اختارت أن تكون قريبة من الناس، فاختارها الناس من جديد.







