أخبار وطنية

ليست الأمطار وحدها من أغرقت نواذيبو… بل الإهمال والفساد

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله
صحفي وكاتب ، انواكشوط

حين تهطل الأمطار في المدن الطبيعية، تُغسل الشوارع وتُنعش الحياة. أما في نواذيبو، فإنها تتحول إلى كابوس سنوي يكشف ما تحاول السلطة إخفاءه طوال العام: مدينةٌ بلا بنية تحتية، بلا تخطيط، وبلا مساءلة.
ما حدث خلال التساقطات الأخيرة لم يكن حادثاً عرضياً، بل مشهداً متكرراً يُعاد كل موسم. شوارع رئيسية غرقت، أحياء بكاملها عُزلت، سيارات تعطلت، ومواطنون حُوصروا داخل بيوتهم. وفي لحظة، انكشفت الحقيقة الصادمة: نواذيبو، العاصمة الاقتصادية للبلد، تقف عاجزة أمام مطر!

مدينة الثروة… والفقر !!
نواذيبو ليست قرية نائية، بل هي القلب الاقتصادي لموريتانيا، بوابتها البحرية، ومركز ثروتها السمكية. ومع ذلك، يعيش سكانها في واقعٍ لا يليق حتى بالمدن الهامشية.
كيف لمدينة تعتبر العاصمة الاقتصادية للبلاد وتُدر الملايين من عائدات الصيد والمعادن أن تعجز عن توفير أبسط شبكة صرف صحي؟
المفارقة القاسية أن الثروة التي تُستخرج من سواحلها لا تعود إليها في شكل خدمات… الطرق مهترئة، الصرف غائب، والتخطيط الحضري شبه منعدم. وكأن المدينة مجرد محطة عبور للثروات نحو المركز، لا مكاناً يستحق الحياة الكريمة.

● أمطار تكشف المستور
الأمطار لم تُغرق الشوارع فقط، بل عرّت سنوات من سوء التسيير والفساد .
كل بركة ماء هي دليل على مشروع لم يُنجز، أو صفقة أُبرمت دون رقابة، أو ميزانية اختفت في دهاليز الفساد.
المشكلة ليست في الطبيعة، بل في الإنسان. فالأمطار ظاهرة موسمية متوقعة، لكن الكارثة أن الدولة تتفاجأ بها كل مرة، وكأنها حدث استثنائي لا يمكن الاستعداد له.
غياب الدولة… حضور المعاناة
في مثل هذه الأزمات، يُفترض أن تتحرك الجهات المعنية بسرعة: شفط المياه، فتح الطرق، حماية السكان. لكن ما يحدث غالباً هو العكس:
تأخر، ارتباك، وصمت رسمي يزيد من شعور المواطنين بأنهم متروكون لمصيرهم.
المواطن في نواذيبو لا يطالب بالمستحيل، بل بحقوق أساسية: طريق صالح، صرف صحي، تدخل سريع عند الأزمات. لكن هذه المطالب البسيطة تبدو، في ظل الواقع الحالي، كأنها رفاهية.

● أزمة أعمق من السيول
ما تعيشه نواذيبو ليس مجرد أزمة أمطار، بل أزمة حكم.
أزمة إدارة بسبب البيروقراطية والإهمال وسوء التخطيط، والشعارات على الإنجاز، والمشاريع الورقية على الحلول الحقيقية.
إن تكرار نفس المشهد كل عام يعني شيئاً واحداً: لا توجد إرادة حقيقية للتغيير. فلو كانت هناك محاسبة، لما استمر هذا الفشل. ولو كانت هناك شفافية، لعرف المواطن أين تذهب الأموال.

في نواذيبو، لا تُقاس شدة الأمطار بكمية المياه التي تهطل، بل بمدى عجز الدولة عن مواجهتها.
وما لم يتحول هذا الغضب الصامت إلى مساءلة حقيقيةبالطرق القانونية ،ستظل كل قطرة مطر إعلاناً جديداً عن فشل قديم.
نواذيبو لا تغرق بالماء فقط… بل تغرق بسبب الإهمال والفساد.

زر الذهاب إلى الأعلى