
محمد عبد الرحمن ولد عبدالله
صحفي ، ومحلل سياسي
medabd388@gmail
انواكشوط – موريتانيا
في كل مرة تشتعل فيها الصحراء الكبرى، تعود أزواد إلى الواجهة، لا كخبر عابر في نشرات الأخبار، بل كمرآة تعكس اختلالًا عميقًا في بنية المنطقة بأكملها. إقليم مترامي الأطراف في شمال مالي، ظل لعقود خارج حسابات الدولة المركزية، لكنه لم يخرج يومًا من معادلة الأمن والاستقرار في الساحل، ولا من وجدان المجتمعات التي تتقاسم معه التاريخ والامتداد الاجتماعي، وعلى رأسها موريتانيا.
● هشاشة اجتماعية… حين يتحول التهميش إلى هوية
لم تكن أزمة أزواد وليدة تمرد مسلح أو إعلان سياسي مفاجئ، بل هي نتاج تراكم طويل من التهميش الاجتماعي. فالمجتمعات المحلية، خصوصًا- الطوارق والناطقين بالحسانية -، وجدت نفسها خارج دوائر القرار والتنمية، في دولة تتركز سلطتها وثرواتها في الجنوب.
هذا التهميش لم يكن مجرد نقص في الخدمات فقط ، بل تحوّل إلى شعور جمعي بالإقصاء، حيث غابت المدارس، وضعفت البنى الصحية، وتآكلت فرص العيش الكريم. ومع مرور الزمن، لم تعد الهوية الوطنية الجامعة كافية لاحتواء هذا الشعور، فبرزت الهويات الفرعية كبديل دفاعي، بل كأداة سياسية في بعض الأحيان.
●ثقافة عابرة للحدود… حين تفشل الدولة في فهم المجتمع
أزواد ليست مجرد رقعة جغرافية، بل فضاء ثقافي واجتماعي مفتوح، تتقاطع فيه القبائل والعادات عبر حدود رسمها الاستعمار أكثر مما رسمها التاريخ. هذا الامتداد يجعل من الصعب إخضاع الإقليم لمنطق الدولة المركزية الصارم خصوصا في ظل الإقصاء والظلم والتهميش،
لقد أخطأت الحكومات المتعاقبة في باماكو حين تعاملت مع أزواد بطريقة عسكرية وأمنية،باعتباره “هامشًا متمردًا”، بدل أن تراه كفضاء ثقافي خاص يحتاج إلى مقاربة مختلفة. فالقبيلة، والزوايا، وشبكات التضامن التقليدية، ما تزال تلعب دورًا يفوق في تأثيره مؤسسات الدولة.
●مأزق سياسي… بين الانفصال والفشل المزمن
بلغت الأزمة ذروتها مع إعلان الحركة الوطنية لتحرير أزواد استقلال الإقليم سنة 2012، في خطوة كشفت هشاشة الدولة المالية أكثر مما جسدت قوة المشروع الانفصالي. فسرعان ما انهار هذا “الاستقلال” تحت ضغط التوازنات الدولية، وصعود الجماعات الجهادية التي اختطفت المشهد.
منذ ذلك الحين، دخلت أزواد في حلقة مفرغة:
اتفاقيات سلام لا تُنفذ، تمردات تتجدد، ووساطات إقليمية ودولية تعالج الأعراض دون المساس بالجذور.
● انفلات أمني… حين تتحول الصحراء إلى مسرح مفتوح
اليوم، لم تعد أزواد مجرد قضية سياسية، بل تحولت إلى بؤرة أمنية معقدة، تتداخل فيها جماعات مسلحة، وشبكات تهريب، وتنظيمات متطرفة. هذا الواقع جعل الإقليم خارج السيطرة الفعلية للدولة، بل خارج أي سلطة مستقرة.
الفراغ الأمني في أزواد لا يبقى محصورًا داخل حدوده، بل يمتد تأثيره إلى دول الجوار، خاصة موريتانيا، التي تدرك أن استقرارها مرتبط بشكل مباشر بما يحدث خلف حدودها الشرقية.
● موريتانيا وأزواد… الجوار الذي لا يمكن تجاهله
رغم الروابط الاجتماعية والثقافية العميقة بين ضفتي الحدود، تبنت موريتانيا في الغالب سياسة حذرة تجاه الأزمة، قائمة على تجنب الانخراط المباشر. غير أن هذا الحذر، وإن كان مفهومًا، لا يلغي حقيقة أساسية: لا يمكن عزل الأمن الوطني عن محيطه الإقليمي.
لقد أثبتت التجارب أن تجاهل أزواد، أو التعامل معه كملف خارجي بحت، هو وهم سياسي. فالجغرافيا لا تعترف بالحدود الصلبة، والمجتمع لا ينفصل بقرارات إدارية.
● أزمة بنيوية لا حل أمني لها
أزواد ليست مشكلة أمنية تُحل بالسلاح، ولا نزاعًا سياسيًا يُطوى باتفاقيات مؤقتة. إنها أزمة بنيوية متعددة الأبعاد:
اجتماعية، وثقافية، وسياسية، وأمنية.
وأي مقاربة جادة لا بد أن تنطلق من الاعتراف بهذه الحقيقة:
لا استقرار في الساحل دون عدالة تنموية، ولا سيادة دون إدماج حقيقي للمجتمعات المحلية، ولا أمن دون فهم عميق لتعقيدات الصحراء.
أما الاستمرار في إدارة الأزمة بدل حلها، فلن يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة: صحراء مفتوحة على كل الاحتمالات… وأسوأها لم يأت بعد.