أخبار وطنية

بوبا والراجل أزمة إنسانية .. ضحية للنفوذ والصمت الاجتماعي

الإتحاد – انواكشوط

ليست كل الجرائم ترتكب بالسلاح، فبعضها يرتكب بالصمت، وبعض الظلم ذو شجون، لا يحتاج إلى سجون، بل يكفيه مجتمع يخاف مواجهة الحقيقة، ونفوذ من يملك القدرة على دفنها كلما اقتربت من الظهور.
وقضية بوبا  والراجل لم تعد منذ زمن مجرد نزاع عائلي داخل بيت اجتماعي كبير، بل تحولت إلى مرآة تعكس واحدة من أعمق أزمات المجتمع الموريتاني: أزمة العدالة حين تصطدم بالنفوذ، وأزمة الإنسان حين يصبح إثبات نسبه معركة طويلة ضد التقاليد والخوف والحسابات الاجتماعية، والفهم الخاطئ لبعض النصوص الفقهية، أو توظيفها في سياق معين .
فهذان الرجلان لا يطالبان بسلطة، ولا يسعيان إلى اقتسام ثروة، ولا يخوضان حربا من أجل النفوذ. كل ما أراداه — بحسب ما يتداول المقربون من الملف — هو الاعتراف بحقهما الطبيعي في الاسم والانتماء والكرامة. أرادا فقط أن يقولا للمجتمع: نحن بشر ولسنا خطأ يجب إخفاؤه.
لكن يبدو أن بعض المجتمعات لا تخاف من الظلم بقدر ما تخاف من الحقيقة.
الروايات المتداولة حول القضية تتحدث عن علاقة قديمة ومعقدة داخل بيت من بيوت اهل الشيخ سيديا، وهي علاقة استند البعض إلى ملابساتها الفقهية لرفض الاعتراف بالنسب، وكأن الخلاف الفقهي تحوّل فجأة إلى حكم اجتماعي بالإعدام المعنوي على شخصين لم يختارا ظروف ولادتهما.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية.
فبعض نصوص الفقه الإسلامي ، الذي يختبئ خلفه البعض اليوم، لم يكن يومًا جامدًا بهذا الشكل القاسي. بل إن كتب الفقه حفلت بمسائل أعقد وأكثر تشابكا ، خاصة في أبواب الإماء وملك اليمين والعلاقات التي نشأت داخل البنى الاجتماعية القديمة. وقد اختلف العلماء فيها اختلافا واسعا، لكنهم اتفقوا على شيء واحد: أن الشريعة تتشوف إلى إثبات النسب لا إلى نفيه، لأن ضياع الإنسان أخطر من أي خلاف فقهي.
غير أن ما يحدث في هذه القضية يوحي بأن المشكلة لم تعد فقهية أصلا، بل سياسية واجتماعية وأخلاقية.
فحين أصدر أحد القضاة حكما بثبوت النسب، بدا وكأن العدالة قررت أخيرا أن تنتصر للإنسان. لكن سرعان ما تحركت قوى الصمت والنفوذ، فتم الطعن في الحكم، وتحدثت الأوساط المتابعة عن ضغوط خفية انتهت بإبعاد القاضي نفسه، ثم إغلاق الملف بطريقة أثارت من الأسئلة أكثر مما قدمت من الأجوبة.
وهنا يصبح السؤال مخيفا :
هل القضاء مستقل فعلا حين يتعلق الأمر بالعائلات النافذة؟ أم أن العدالة في موريتانيا ما تزال تعرف أسماءً أكبر من القانون؟
إن أخطر ما في هذه القضية ليس تفاصيلها العائلية، بل الرسالة التي ترسلها للمجتمع: أن الضعيف يمكن أن يُترك معلقا بين الشك والصمت لعقود، فقط لأن الحقيقة قد تزعج أصحاب المكانة الاجتماعية.
وهذا بالضبط ما يجعل القضية واحدة من أكثر القضايا ارتباطا بتاريخ التفاوت الطبقي والعبودية المقنعة في المجتمع الموريتاني. فالعلاقات التي نشأت داخل النظام الاجتماعي القديم خلفت أبناء بلا اعتراف، ونساء بلا حماية، وجرحا جماعيا ما يزال المجتمع يهرب من النظر إليه.
ولذلك فإن دفن الملف لا يعني اختفاءه، بل يعني فقط استمرار النزيف بصمت.
ثم إن العالم تغيّر، ولم تعد الحقيقة أسيرة الروايات المتناقضة أو النفوذ الاجتماعي. فالعلم اليوم يقدّم وسيلة حاسمة لا تقبل المراوغة: فحص الحمض النوويDNN. وهنا يبرز السؤال الأكثر إحراجا:
إذا كان الجميع واثقا من روايته… فلماذا الخوف من الحقيقة العلمية؟
ولماذا يتحول اختبار بسيط إلى تهديد كبير؟
إن القيمة الحقيقية للعائلات العلمية والدينية لا تقاس بعدد الأتباع ولا بهالة التاريخ، بل بقدرتها على الانتصار للعدل حين يكون العدل مؤلما ، وعلى مواجهة الحقيقة بدل دفنها تحت عباءة الصمت الاجتماعي.
فقضية بوب والراجل لم تعد قضية نسب فقط، بل أصبحت اختبارا أخلاقيا لمجتمع كامل، ولسؤال أكبر من الأسماء والعائلات:
هل الإنسان في موريتانيا يحترم لكونه إنسانا… أم فقط إذا كان قويا ومحميا بالنفوذ؟
ويبقى السؤال الذي يطارد الضمير الجمعي:
كم إنسانا آخر دفن حقه في هذا البلد خوفا من الحقيقة؟ وانتصارا لأصحاب الجاه، النفوذ .

زر الذهاب إلى الأعلى