أخبار وطنية

“عصرنة نواكشوط” … مشروع يبتلع المال العام ولا يغيّر واقع المدينة

الاتحاد – انواكشوط

تصريحات الدبلوماسي الموريتاني السابق سيداتي ولد أحمد عيشة لم تكن مجرد ملاحظات عابرة حول مشروع “عصرنة نواكشوط”، بل بدت كإدانة سياسية وإدارية صريحة لواقع حكومي يعاني من فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي للمواطنين.
فالرجل الذي قضى عقودا داخل مؤسسات الدولة والسلك الدبلوماسي، وعاد بعد أشهر من الغياب، لم يجد العاصمة التي أُنفقت عليها المليارات قد تحولت إلى مدينة عصرية كما روج، ول اجاي لذالك بل وجد – بحسب وصفه – مشروعا يثير علامات الاستفهام حول حجم الهدر وسوء التسيير وغياب الرقابة على المال العام.
إن أزمة “عصرنة نواكشوط” ليست فقط في الأرصفة المتآكلة، أو الشوارع التي تعود للحفر بعد أول موسم أمطار، أو المشاريع الترقيعية التي تنفذ بلا رؤية عمرانية حقيقية، وإنما في العقلية التي تدير التنمية في موريتانيا: عقلية الدعاية السياسية بدل التخطيط، وتلميع الصورة بدل معالجة جذور الأزمة الحضرية والاجتماعية.
لقد تحولت العاصمة خلال السنوات الأخيرة إلى ورشة مفتوحة للإنفاق دون نتائج ملموسة يشعر بها المواطن. فالفوضى العمرانية مستمرة، والقمامة تغزو الأحياء، والبنية التحتية هشة متهالكة ، والازدحام يتفاقم، والأحياء الشعبية ما تزال تعيش خارج مفهوم “العصرنة” الذي يرفع كشعار إعلامي أكثر منه مشروعا تنمويا حقيقيا.
واللافت في حديث السفير السابق أنه حاول الفصل بين ما اعتبره “نجاحات دبلوماسية” للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني وبين الأداء الحكومي الداخلي، معتبرا أن الحكومات هي المسؤولة مباشرة عن معاناة المواطنين اليومية. غير أن هذا الطرح يفتح بدوره سؤالا أكبر:

من يحاسب هذه الحكومات؟ ومن يمنحها الاستمرار رغم فشلها المتكرر؟!
ففي الأنظمة التي تقوم على الحكامة الرشيدة، لا تتحول المشاريع العمومية إلى واجهات استعراضية، ولا يترك المواطن رهينة إدارة عاجزة وفساد متغلغل ومحسوبية قبلية تتحكم في الصفقات والتعيينات والتنفيذ.
إن ما تعيشه موريتانيا اليوم ليس أزمة مشاريع فقط، بل أزمة إدارة دولة. فحين تسند المسؤوليات وفق الولاء والقرابة والزبونية،لا وفق الكفاءة، تصبح النتيجة الطبيعية هي مشاريع متعثرة، وميزانيات مهدورة، ومواطن فاقد للثقة في كل الشعارات الرسمية.
كما أن خروج شخصية بحجم وخبرة سيداتي ولد أحمد عيشة بهذا الخطاب بعد سنوات طويلة في تمثيل الدولة بالخارج، يكشف حجم الاحتقان داخل النخب الرسمية نفسها، ويؤكد أن الانتقادات لم تعد مقتصرة على المعارضة أو الشارع، بل أصبحت تصدر حتى من شخصيات كانت جزءًا من النظام ومؤسساته.
والأخطر أن حديثه عن “مكافحة الفساد وتعزيز الدولة” يوحي بأن الرجل يدرك من الداخل حجم الاختلالات التي تنخر الإدارة والمالية العمومية، وهي اختلالات لم تعد خافية على أحد، في ظل انتشار الفساد.واتساع الفوارق الاجتماعية، وارتفاع البطالة، وتدهور الخدمات، مقابل استمرار الإنفاق الضخم على مشاريع يبتلعها الفساد أو سوء التخطيط.
إن أي حديث عن “عصرنة نواكشوط” سيظل بلا معنى ما دامت عقلية التسيير نفسها لم تتغير، وما دامت الحكامة تقوم على المحاصصة والترضيات السياسية والقبلية، لا على الكفاءة والشفافية والمحاسبة.
فالعواصم لا تصبح عصرية باللافتات والإعلانات، بل ببناء دولة تحترم المواطن، وتحاسب المسؤول، وتصون المال العام، وتجعل التنمية واقعًا يراه الناس في حياتهم اليومية، لا مجرد شعارات تستهلك في الخطابات الرسمية.

زر الذهاب إلى الأعلى