انواكشوط… عاصمة الظلام !

محمد عبد الرحمن ولد عبدالله
.medabd388@gmail.com
حين تزور العواصم في العالم، تستقبلك الأضواء، وتحدثك الشوارع عن هيبة الدولة، وتكشف البنية التحتية عن مستوى احترام الحكومات لمواطنيها. أما حين تدخل نواكشوط ,فستصاب بصدمة كبيرة، فأنت لا تدخل عاصمة دولة غنية بالغاز والحديدزوالذهب والصيد، بل تدخل مدينة منهكة تغرق في الظلام، وكأنها خارجة للتو من كارثة طبيعية أو حرب طويلة.
من المثير للسخرية أن تكون نواكشوط، في القرن الحادي والعشرين، واحدة من أكثر العواصم حرمانا من الإنارة العمومية. أحياء كاملة تتحول بعد غروب الشمس إلى فضاءات موحشة، تتكدس فيها الحفر، وتنتشر فيها الجريمة،والقمامة، ويخنقها الإهمال. أما المواطن البسيط، فقد اعتاد أن يسير وسط العتمة، متجنبًا الشوارع المكسرة، باحثا عن قطرة ماء، أو عن شعور مؤقت بالأمان.
أي “عصرنة” هذه التي تتحدث عنها حكومة الفساد والتسلط؟ وأي تحديث يمكن أن يسوق لمدينة تعاني أحياؤها من العطش، وانقطاع الكهرباء، وغياب الصرف الصحي، وتراكم القمامة، وانعدام التخطيط العمراني؟ إن الحديث الرسمي عن “عصرنة نواكشوط” لم يعد سوى مادة للتندر والسخرية الشعبية، لأن الواقع يفضح حجم الهوة بين خطاب السلطة وحياة الناس.
لقد تحولت العاصمة إلى واجهة ضخمة للفشل الإداري والفساد وسوء التسيير. تصرف المليارات على المشاريع الوهمية،والصفقات،الفاسدة لكن المواطن لا يرى سوى المزيد من التدهور.والتخلف، شوارع يعاد ترقيعها احيانا ، أعمدة إنارة بلا ضوء، شبكات مياه عاجزة، وأحياء كاملة تبدو وكأنها خارج حدود الدولة.!
المفارقة المؤلمة أن السلطة وصحافة التطبيل تحاول تصوير الوضع وكأن البلاد تعيش نهضة عمرانية كبرى، بينما الحقيقة أن نواكشوط أصبحت رمزا للإهمال الرسمي. فالعاصمة التي يفترض أن تكون مرآة الدولة، تحولت إلى دليل حي على أزمة الحكم، وعجز السياسات العمومية، وانفصال النخب عن واقع المواطنين.
إن مأساة نواكشوط ليست فقط في الظلام الذي يبتلع شوارعها، بل في الظلام السياسي والإداري الذي يحيط بتسييرها. فحين تغيب المحاسبة، ويُكافأ الفشل، وتمنح الصفقات على أساس القرابة،و الولاءات لا الكفاءة، والإستحقاق،تصبح النتيجة طبيعية: مدينة بلا روح، بلا خدمات، وبلا أفق.
والأخطر أن هذا الوضع لم يعد يعامل كأزمة وطنية تستوجب التدخل العاجل، بل كواقع عادي ينبغي للمواطن التعايش معه. !
وكأن سكان العاصمة مطالبون بالصمت، وتحمل الإهمال، والاقتناع بأن العيش وسط الظلام والعطش، والحرمان قدر لا يمكن تغييره.
إن نواكشوط اليوم ليست فقط عاصمة سياسية، بل شهادة قاسية على فشل عقود من الوعود والشعارات. مدينة تملك دولة غنية، لكن سكانها يعيشون بعقلية النجاة اليومية. عاصمة تختصر التناقض الموريتاني الكبير: ثروات هائلة فوق الأرض وتحت البحر، وفقر عمراني وخدمي يطارد المواطن في كل زاوية.







