مقالات

 أخطر ما نواجهه اليوم ليس تراجع الاقتصاد ولا تعثر السياسة.. بل هذا الانهيار الصامت لمنظومة القيم

الإعلامي والمحلل السياسي: محمد محمود ولد بكار

هل انتصرت فينا الصداقات الزائلة على الصداقة الحقيقية الباقية، حسب تصنيف أرسطو؟ وهل تسربت إلينا عدوى عالم حب الذات والفردانية المفرطة؛ ذلك العالم الذي اختفت فيه الصداقة الحقيقية بمنظورها القيمي والأخلاقي، فلم تعد تُقاس إلا بمقياس المنفعة، حتى أصبحت مقولة فريدمان الشهيرة: «إذا أردت صديقًا في واشنطن، فاقتنِ كلبًا» أقرب إلى وصف الواقع منها إلى مجرد سخرية.
إن هذا يختلف تمامًا عما تعلمناه من ديننا؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق» ، كما يختلف عما ألفناه وورثناه من قيم، وما عبّرت عنه ثقافتنا فقد قال معروف الرصافي :
هي الأخلاق تنبت كالنبات
إذا سقيت بماء المكرمات
وفي قول أحمد شوقي :
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا.
فما معنى الاخلاق إن لم تكن تعبيرا عن الوفاء والصداقة أو تجل لهما !
فالصداقة، كما عرفها الرجال، هي الوفاء، والصدق، والشهامة، والاعتراف بالجميل، والحضور في الشدائد قبل الرخاء. فهل أصبحت اليوم استثناءً بعد أن كانت هي الأصل؟
إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس تراجع الاقتصاد ولا تعثر السياسة فحسب، بل هذا الانهيار الصامت لمنظومة القيم؛ حين تصبح المصلحة بديلًا عن الوفاء، والمنفعة معيارًا للعلاقات، والنسيان جزاءً للإحسان. فالمجتمعات لا تنهار عندما تفتقر إلى المال، وإنما تنهار عندما تفقد أخلاقها، وعندما يصبح الوفاء عملة نادرة، ويغدو الاعتراف بالجميل سلوكًا يثير الدهشة بدل أن يكون من بديهيات الرجولة.
وإذا كانت الأسرة هي المدرسة الأولى التي يتشكل فيها الضمير، فإن الدولة هي الضامن لاستمرار هذه القيم وترسيخها عبر المدرسة والإعلام والمؤسسات ،وسلوك القادة والساسة ، فالمجتمعات لا تحافظ على أخلاقها بالمواعظ وحدها، وإنما ببناء منظومة تربوية تجعل القيم جزءًا من تكوين الأنسان منذ طفولته.
ولهذا يتعين على الدولة أن تعيد غرس القيم والأخلاق إلى صدارة أولوياتها. ولكي يكون للمدرسة الجمهورية مدلولها الحقيقي، وللتعليم قيمته، وللسياسة بريقها، فعليها أن تنتهج ما انتهجته دول مثل فنلندا واليابان وغيرها، التي أعادت للتربية الأخلاقية مكانتها في السنوات الدراسية الأولى. إذ لا يمكن لمنظومة تعليمية أن تُنتج مواطنًا صالحًا بالمعرفة وحدها، من دون أن تغرس فيه قبل ذلك الضمير، والوفاء، والامتنان.
وينبغي أن تكون السنوات الأولى من التعليم سنواتٍ للتربية على الأخلاق والقيم، ثم تتدرج هذه التربية في مختلف المراحل، حتى تصبح القيم الأخلاقية ثقافةً عامة تحكم السلوك اليومي، ومعيارًا في التقييم والتقويم، وأن تكون النزاهة والاستقامة وحسن السيرة من أهم معايير التزكية،والترشح ، والتعيين واختيار القيادات، فتعود الأخلاق والوفاء جزءًا أصيلًا من النسيج الذي تُبنى به علاقات المجتمع.
وقد أكدت الدراسات السوسيولوجية أن المجتمعات ذات رأس المال الاجتماعي المرتفع، أي تلك التي تسودها الثقة، والتكافل، والوفاء، تتفوق في مؤشرات التنمية، والسعادة، والصحة النفسية على نظيراتها الأكثر ثراءً من الناحية المادية. فالوفاء ليس قيمة رومانسية، بل هو بنية تحتية اجتماعية لا غنى عنها.
كما أن الحضارات لم تسقط يومًا بالهزيمة العسكرية وحدها، وإنما سقطت حين فرغت من داخلها . وما نحذر منه اليوم هو هذا الانهيار الناعم الذي لا يُرى ولا يُسمع، لكنه يُحس عندما تبحث عن صديق في الشدة فلا تجده.
وما نرصده في واقعنا المعاصر ليس إلا انتصار النوعين الأدنى من الصداقة على النوع الأسمى الذي تحدث عنه أرسطو، حيث تقوم الصداقة على الفضيلة والوفاء لذاتهما، لا على المنفعة أو اللذة.
ولعل خير ما يلخص حالنا اليوم ذلك المثل القائل: «إذا وجدت نفسك في حفرة، فأول ما ينبغي أن تفعله هو أن تتوقف عن الحفر». وما بين التخلف، والشعبوية، وغياب المثال الأخلاقي، يبدو أننا ما زلنا نواصل الحفر بأيدينا حتى أضحينا في حفرة عميقة

زر الذهاب إلى الأعلى