مقالات

النيجر .. حين انقذت موسكو الإنقلابيين ، من إنقلاب كان سيقضي عليهم

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله ، صحفي

متابع للشؤون السياسية في ودول الساحل
medabd388@gmail.com

 

● التمرد العسكري في نيامي يكشف هشاشة السلطة العسكرية وتحوّل روسيا إلى «حارس» للأنظمة الانقلابية في الساحل!

 

لم يكن التمرد العسكري الذي هز العاصمة النيجرية نيامي خلال عطلة نهاية الأسبوع مجرد حادث أمني عابر داخل مؤسسة عسكرية تعيش تحت ضغط الحرب؛ بل كان اختبارًا بالغ الخطورة لبنية السلطة التي أقامها الجنرال عبد الرحمن تياني منذ انقلاب يوليو 2023.
ففي الساعات الأولى من يوم السبت 29 أغسطس، تحولت قاعدة 101 العسكرية، الواقعة داخل مجمع مطار ديوري حماني في نيامي، إلى مسرح لمواجهة مسلحة بين عسكريين متمردين وقوات موالية للسلطة. وسرعان ما امتدت الاشتباكات إلى محيط القصر الرئاسي ومواقع حساسة أخرى، فيما انقطعت الإذاعة الرسمية مؤقتا وسط إطلاق نار وانفجارات.
وانتهى التمرد خلال نحو 24 ساعة باستعادة القوات الموالية السيطرة على القاعدة، واعتقال أو مقتل عشرات الجنود وفق ما أوردته وسائل الإعلام الرسمية، في حين لم تتمكن المصادر المستقلة من التحقق بشكل كامل من أعداد القتلى والمعتقلين.
لكن التطور الأكثر أهمية لم يكن في سقوط التمرد فحسب، وإنما في الجهة التي ساعدت السلطة على إسقاطه.
لقد دخلت قوات «فيلق إفريقيا» الروسي على خط المواجهة، بعد أن طلبت السلطات النيجرية مساعدتها، وفق ما أعلن السفير الروسي في نيامي. وتحدثت مصادر متعددة عن تقديم القوات الروسية دعما بريا وجويا للقوات الموالية للسلطة خلال عملية استعادة القاعدة.
وهنا تكمن المفارقة التاريخية والسياسية الكبرى:
سلطة وصلت إلى الحكم عبر انقلاب عسكري، وجدت نفسها بعد ثلاث سنوات تقريبًا بحاجة إلى قوة أجنبية لمساعدتها على إخماد تمرد داخل جيشها.

● من «السيادة الوطنية» إلى الحماية الروسية

منذ انقلاب 2023، بنت السلطة الجديدة خطابها السياسي على مفردات السيادة والاستقلال ورفض التدخلات الغربية، خصوصا الفرنسية والأميركية.
أُخرجت القوات الفرنسية من البلاد، ثم انسحبت القوات الأميركية، واتجهت نيامي بصورة متزايدة نحو موسكو، بالتزامن مع تعميق التحالف مع مالي وبوركينا فاسو ضمن تحالف دول الساحل.
وكان أحد أهم مبررات هذا التحول هو أن الشراكة مع روسيا ستمنح النيجر قدرة أكبر على مواجهة الجماعات المسلحة، وتحرر قرارها الأمني من الهيمنة الغربية.
غير أن أحداث نيامي تقدم صورة أكثر تعقيدا.
فروسيا لم تتدخل هذه المرة لمواجهة تنظيم جهادي أو قوة متمردة على الحدود، وإنما لإنقاذ السلطة العسكرية من تمرد صادر من داخل المؤسسة العسكرية نفسها.
وهذا يضع سؤال السيادة في قلب المشهد.
إذا كانت السلطة تحتاج إلى قوة روسية لحسم صراع داخلي داخل جيشها، فهل نحن أمام تعاون أمني طبيعي بين دولتين، أم أمام مرحلة جديدة تصبح فيها روسيا طرفا ضامنا لبقاء الأنظمة العسكرية في الساحل؟
لا يعني ذلك أن موسكو أصبحت تتحكم في الجيش النيجري أو أن السلطة في نيامي فقدت استقلال قرارها بالكامل؛ فالمعطيات المتاحة لا تثبت ذلك. لكنها تثبت شيئا أكثر أهمية:
حين تعرض النظام لأخطر تهديد داخلي منذ انقلاب 2023، كان بإمكانه الاستناد إلى قوة روسية موجودة على الأرض.

▪︎ لماذا تمرد الجنود؟
السؤال الأهم ليس فقط:
من قمع التمرد؟
بل: لماذا تمرد الجنود أصلا؟
المؤشرات المتاحة تربط التمرد بتراكم الضغوط داخل المؤسسة العسكرية، وعلى رأسها استمرار الهجمات الجهادية والخسائر البشرية في صفوف القوات الحكومية.
فالانقلاب الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم عام 2023 جاء أساسا تحت شعار استعادة الأمن ومحاربة الجماعات المسلحة.
لكن بعد ثلاث سنوات، ما تزال مناطق واسعة من النيجر تعاني من هجمات الجماعات المرتبطة بتنظيمي القاعدة وتنظيم الدولة، بينما تكبد الجيش خسائر متواصلة.
وقد أشار محللون إلى أن عددا من العسكريين المشاركين في التمرد كانوا من مناطق تواجه بصورة مباشرة تهديد الجماعات المسلحة، الأمر الذي يجعل إحباطهم داخل المؤسسة العسكرية مفهوما في سياق أوسع من مجرد صراع على السلطة.
وهنا تظهر مفارقة أخرى:
الجيش الذي استولى على السلطة بحجة فشل المدنيين في توفير الأمن، بدأ يواجه بدوره أزمة ثقة بسبب استمرار انعدام الأمن.
التمرد أخطر من مجرد محاولة انقلاب
قد يبدو من السهل وصف ما حدث بأنه «محاولة انقلاب فاشلة»، ثم طي الصفحة.
لكن القراءة الأمنية والسياسية الأعمق تقول إن المسألة أخطر.
فقد تمكن المتمردون من السيطرة مؤقتا على قاعدة عسكرية شديدة الحساسية، واحتجاز عسكريين، والوصول إلى محيط مواقع استراتيجية في العاصمة، فيما ظهرت علامات تردد وانقسام داخل بعض الوحدات.
وهذا يعني أن المشكلة لم تكن في مجموعة صغيرة معزولة تماما عن المؤسسة العسكرية، وإنما في وجود شقوق داخل البنية التي تقوم عليها السلطة نفسها.
والأخطر أن العاصمة نيامي ليست بعيدة عن جبهات الحرب؛ فقد شهد مطارها وقواعدها العسكرية هجمات متكررة خلال العام الجاري، في وقت تتزايد فيه الضغوط على القوات الحكومية.
وبذلك أصبحت السلطة تواجه معركتين في وقت واحد:
عدوا مسلحا في الخارج، وتمردا داخل المؤسسة العسكرية.

● روسيا: من الشريك الأمني إلى حارس الأنظمة؟

التدخل الروسي في النيجر لا ينبغي النظر إليه بمعزل عن التحولات التي تشهدها منطقة الساحل.
فبعد تراجع النفوذ الفرنسي والغربي، توسعت موسكو في بناء شراكات أمنية مع الحكومات العسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
وتكمن أهمية «فيلق إفريقيا» في أنه ليس مجرد مجموعة مرتزقة بالمعنى الذي ارتبط سابقا بفاغنر؛ بل هو تشكيل يعمل تحت مظلة وزارة الدفاع الروسية، وقد استوعب جزء كبيرا من البنية البشرية التي كانت مرتبطة بفاغنر بعد إعادة تنظيم الوجود الروسي في إفريقيا.
وتشير التقارير إلى وجود نحو 200 إلى 300 عنصر من الفيلق في النيجر، يتمركزون في قاعدة 101 نفسها التي شهدت التمرد الأخير.
وهنا تتضح القيمة الاستراتيجية لهذا الوجود:
روسيا لا تحتاج إلى إرسال قوة عسكرية كبيرة من خارج القارة في كل أزمة؛ يكفي أن تكون لديها قوة محدودة موجودة أصلا داخل البلد، قادرة على التدخل السريع عندما تتعرض السلطة الحليفة للخطر.
وهذا نموذج مختلف عن التدخلات العسكرية الغربية التقليدية.

▪︎ هل انتصرت روسيا؟
من منظور جيوسياسي، نعم، حققت موسكو مكسبًا واضحًا.
ففي أزمة داخلية حساسة، ظهرت روسيا بوصفها القوة الخارجية التي ساعدت السلطة على استعادة السيطرة، بينما كان الغربيون قد غادروا البلاد.
وهذه صورة دعائية واستراتيجية ثمينة جدا لموسكو:
روسيا تقول لحلفائها في الساحل: عندما تحتاجون إلينا، سنكون موجودين.
لكن الانتصار الروسي لا يعني أن مشكلة النيجر حلت.
فالوجود الروسي لم يمنع تصاعد الهجمات الجهادية، ولم ينهِ الأزمة الأمنية، ولم يعالج أسباب التوتر داخل الجيش.
وقد أثبتت التجربة في مالي أيضا أن الحضور الروسي لا يقدم حلا سحريا لأزمة الساحل المعقدة، حيث استمرت الهجمات المسلحة رغم الوجود الروسي المكثف.
السؤال الذي سيبقى بعد انتهاء المعركة
انتهى التمرد، وعادت السيطرة إلى السلطة، واعتقل أو قتل عدد من المشاركين فيه.
لكن المشكلة التي أنتجت التمرد لم تنته.
فالجيش ما يزال يخوض حربا طويلة ومرهقة ضد الجماعات المسلحة، والجنود ما زالوا يدفعون ثمنا بشريا مرتفعا، والسلطة مطالبة بإثبات أن مشروعها الأمني قادر على تحقيق النتائج التي وعدت بها.
أما الاعتماد المتزايد على روسيا، فقد يتحول إلى سلاح ذي حدين.
فمن جهة، يمنح النظام قوة ردع وحماية إضافية.
ومن جهة أخرى، كلما زادت حاجة السلطة إلى الحماية الخارجية، أصبح من الصعب إقناع الداخل والخارج بأن المشروع العسكري يمثل تجسيدا كاملا لـ«السيادة الوطنية» التي رفعها شعارا منذ اليوم الأول.
وهنا تكمن خلاصة المشهد النيجري:
الانقلاب الذي أطاح بالنظام المدني لم يسقط، لكنه اكتشف أن الخطر الأكبر قد لا يأتي دائما من القصر الرئاسي أو الشارع، بل من داخل الثكنة نفسها.
أما روسيا، التي دخلت الساحل بوصفها بديلا عن الغرب في الحرب على الإرهاب، فقد وجدت نفسها الآن تؤدي دورا أكثر حساسية:
حماية الأنظمة العسكرية الحليفة من الانقلابات والتمردات الداخلية.
وبذلك لم يعد السؤال في النيجر: هل نجحت موسكو في تثبيت نفوذها؟
السؤال الأعمق هو:
إلى أي حد يمكن لنظام عسكري أن يتحدث عن الاستقلال والسيادة، بينما يحتاج إلى قوة أجنبية لإنقاذه من جنوده؟
هذه هي الرسالة الأهم التي خلفها تمرد نيامي؛ فالمعركة انتهت عسكريا ، لكن أزمة الشرعية والأمن والسيادة التي أنتجتها لم تنتهِ بعد.

زر الذهاب إلى الأعلى