أخبار وطنية

عصرنة نواكشوط.. مليارات تنفق والمستنقعات باقية

من المفارقات الصارخة في واقع تسيير الشأن العام بموريتانيا أن برنامج «عصرنة نواكشوط» أُعلن عند إطلاقه بكلفة إجمالية تناهز 50 مليار أوقية جديدة، أي نحو 500 مليار أوقية قديمة، وهي ميزانية ضخمة كان يفترض أن تُحدث نقلة نوعية في البنية التحتية للعاصمة وتحسن ظروف حياة سكانها.

والأكثر إثارة للتساؤل أن قطاع الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار استحوذ على مبالغ ضخمة ضمن مشاريع العصرنة، فيما تتحدث المعطيات المتداولة عن كلفة تصل إلى 70 مليار أوقية قديمة لهذا الجانب. ومع ذلك، لا تزال أحياء واسعة من نواكشوط تغرق، مع أولى زخات المطر، في السيول والمستنقعات، وتتحول شوارع وأزقة عديدة إلى برك مائية تعطل حركة السكان وتهدد الصحة العامة.
وهنا تبرز المفارقة التي تستحق أن تكون موضع تدقيق مالي وفني جاد: كيف يمكن لمدينة أن تنفق مئات المليارات على مشاريع العصرنة، وتخصص عشرات المليارات للصرف وتصريف مياه الأمطار، ثم تظل عاجزة عن مواجهة مشكلة السيول والمستنقعات التي تتكرر كل عام؟

المشكلة هنا ليست في حجم الأموال المرصودة فحسب، وإنما في النتائج التي تحققت على الأرض. فالمواطن لا يقيس نجاح المشاريع بعدد المليارات التي أُنفقت، ولا بعدد العقود التي وُقعت، وإنما بما يراه في حيه وشارعه: طريق صالح، شبكة صرف فعالة، ومياه أمطار لا تتحول إلى مستنقعات تعيش فيها الأحياء أياماً وأسابيع.

إن استمرار هذه الوضعية يفرض أسئلة مشروعة حول دراسات المشاريع، وكلفة الإنجاز، وطريقة إسناد الصفقات، وجودة التنفيذ، وآليات الرقابة والمتابعة. وهي أسئلة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها تشكيكاً في الدولة أو مؤسساتها، بل باعتبارها حقاً أصيلاً للرأي العام في معرفة أين تُنفق أمواله، وما الذي تحقق فعلياً مقابلها.

فإذا كانت «عصرنة نواكشوط» قد رُصدت لها مليارات ضخمة بهدف تغيير وجه العاصمة، فإن بقاء أحياء كاملة تحت رحمة السيول والمستنقعات يجعل من المشروع، في نظر المواطن، اختباراً حقيقياً لمدى كفاءة التخطيط والتنفيذ والرقابة على المال العام.

زر الذهاب إلى الأعلى