الرئيس غزواني: سنصون مدائن تراثنا بحلول مستديمة مهما بلغت الكلفة

قال الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إن الدولة مستعدة لإنفاق «ملايين أو مليارات» من أجل حماية مدائن موريتانيا التاريخية،تصريح يحمل رسالة واضحة:
التراث لم يعد ملفا هامشيا في نظر الدولة، بل أصبح جزءا من الذاكرة الوطنية التي يفترض حمايتها مهما كانت الكلفة.
لكن حماية شنقيط ووادان وولاتة وتيشيت لا يمكن أن تختزل في ترميم جدار، أو إنقاذ مخطوط، أو إعادة تأهيل معلم تاريخي.
فالمدن التاريخية لم تصبح عظيمة بسبب حجارتها وحدها، وإنما بسبب الإنسان الذي سكنها، والعالم الذي درس فيها، والمخطوط الذي انتقل عبر أجيالها، والقافلة التي حملت منها العلم والتجارة، والمجتمع الذي جعل منها مراكز إشعاع تتجاوز حدود المكان.
ومن هنا تبدو عبارة الرئيس عن ضرورة الحفاظ على «روح العلم» أكثر أهمية من الحديث عن حماية العمران وحده.
فإذا أنفقت الدولة مليارات على ترميم المباني، ثم بقيت المدن التاريخية تعاني العزلة وضعف النشاط الاقتصادي وهجرة السكان وتراجع التعليم والخدمات، فإننا نكون قد حافظنا على شكل المدينة أكثر مما حافظنا على حياتها.
الحل المستديم، إذاً، يحتاج إلى رؤية أوسع:
حماية المخطوطات والمكتبات، وترميم المعالم، وتحسين الخدمات الأساسية، وتشجيع السياحة الثقافية، ودعم سكان المدن التاريخية، وإعادة الاعتبار للمعرفة المحلية، وربط هذه المدن بمشاريع اقتصادية وتعليمية تجعلها قادرة على إنتاج الحياة لا مجرد استقبال الزوار.
والأهم أن تتحول المخطوطات من كنوز محفوظة في الرفوف إلى مصادر معرفة حية: تفهرس، وترقمن، وتدرس، وتترجم، ويتاح للباحثين والطلاب الوصول إليها، حتى لا يصبح التراث مجرد مادة للاحتفال السنوي.
لقد قال الرئيس إن «لا تنمية مستدامة بدون الأخذ بناصية العلم». وهذه العبارة تضع الدولة أمام اختبار حقيقي:
إذا كان العلم هو روح شنقيط، فحماية شنقيط تبدأ بإحياء هذه الروح، لا بمجرد ترميم جسدها.
فشنقيط ليست حجارةً نريد إنقاذها من الرمال، ولا مخطوطات نخشى عليها من الرطوبة والزمن فقط؛ إنها فكرة موريتانية عن العلم والمعرفة والإنسان.
وحين تقول الدولة إن الكلفة لن تكون عائقاً، فإن المواطن ينتظر أن يرى هذا الوعد يتحول إلى خطة واضحة، بتمويل معلوم، وآجال محددة، ومسؤوليات قابلة للمساءلة، ونتائج يمكن قياسها.
عندها فقط يمكن أن يصبح شعار «صون مدائن التراث» مشروعاً وطنياً مستديماً، لا مجرد عنوان جميل في خطاب رسمي.







