أخبار وطنية

موريتانيا والسعودية.. شراكة تتجه من عمق التاريخ إلى آفاق الاستثمار والتنمية

الإتحاد – انواكشوط

لم تكن العلاقات الموريتانية السعودية، في يوم من الأيام، مجرد علاقة دبلوماسية تحكمها لغة البروتوكول والمصالح السياسية العابرة، بل قامت على رصيد من الروابط التاريخية والثقافية والدينية، قبل أن تتسع خلال السنوات الأخيرة لتشمل مجالات الاقتصاد والاستثمار والتنمية والطاقة والزراعة والبنية التحتية.

ومن نواكشوط، جاءت كلمة سفير المملكة العربية السعودية المعتمد لدى موريتانيا، الدكتور عبد العزيز بن عبد الله الرقابي، بمناسبة الاحتفال بالذكرى السادسة والتسعين لليوم الوطني السعودي، لتسلط الضوء على مرحلة جديدة من هذه العلاقة، عنوانها الأبرز: الانتقال من متانة الروابط التقليدية إلى توسيع الشراكة الاقتصادية والاستثمارية.

السفير السعودي تحدث عن تطور ملحوظ في العلاقات بين البلدين خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما في المجالين الاقتصادي والاستثماري، مستشهدا بزيارة وفد سعودي ضم نحو مائة رجل أعمال ومستثمر برئاسة وزير الاستثمار، وإنشاء مجلس أعمال مشترك بين البلدين.

وهذه الخطوة تحمل دلالة مهمة؛ إذ تعكس توجها نحو جعل القطاع الخاص أحد المحركات الأساسية للعلاقات الثنائية، بعد أن ظلت العلاقات بين الدولتين لعقود طويلة مرتبطة بصورة أكبر بالتعاون السياسي والتنموي والمساعدات والمشاريع الممولة من المؤسسات السعودية.

من العلاقات السياسية إلى الشراكة الاقتصادية

اللافت في خطاب السفير أن الاستثمار احتل مساحة بارزة، من خلال الإشارة إلى اتفاقيات في مجالات الطاقة والزراعة والثروة الحيوانية والبنية التحتية.

وهي قطاعات تمس صميم الاقتصاد الموريتاني، بما تمتلكه البلاد من إمكانات كبيرة في الطاقة والمعادن والزراعة والثروة الحيوانية، وما تحتاج إليه في الوقت نفسه من رؤوس الأموال والخبرات والتكنولوجيا والأسواق.

وفي هذا السياق، يبرز مشروع تطوير محطة «انجاكو» لإنتاج الكهرباء باستخدام الغاز، بقدرة تصل إلى 230 ميغاواط، باعتباره أحد أبرز نماذج التعاون الاقتصادي الجديد بين البلدين.

كما أشار السفير إلى استثمارات تقدر بنحو 669 مليون دولار، وإلى مشروع زراعي واسع النطاق تنفذه شركة «الريف» السعودية على مساحة تناهز 53 ألف هكتار.

ومثل هذه المشاريع يمكن أن تمثل، إذا تحولت إلى إنتاج فعلي ومستدام، فرصة لتعزيز الأمن الغذائي، وتنشيط الاقتصاد المحلي، وخلق فرص العمل، وتقليص الاعتماد على الواردات.

لكن أهمية هذه المشاريع لا تتوقف عند حجم الأموال أو مساحة الأراضي، وإنما تتحدد في النهاية بقدرتها على خلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد الموريتاني، ونقل الخبرات، وتشغيل اليد العاملة الوطنية، وربط الاستثمار بالإنتاج والأسواق المحلية.

أكثر من أربعة عقود من التعاون التنموي

وإذا كان خطاب السفير قد ركز على الاستثمارات الجديدة، فإنه لم يغفل الجانب التنموي الذي يشكل أحد أبرز مكونات العلاقات السعودية الموريتانية.

فمنذ عام 1979، ساهم الصندوق السعودي للتنمية في تمويل أكثر من 31 مشروعا تنمويا في موريتانيا، وهو حضور يمتد لأكثر من أربعة عقود، وشمل مجالات مختلفة من احتياجات التنمية.

كما يمثل مشروع مستشفى الملك سلمان بن عبد العزيز الجامعي أحد المشاريع التي تعكس طبيعة التعاون في المجال الصحي، بينما يواصل مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية تنفيذ برامج ومشاريع إنسانية وطبية في مناطق مختلفة من البلاد، بما فيها المناطق والقرى النائية.

وهكذا تبدو العلاقة السعودية الموريتانية ذات مستويات متعددة: دبلوماسية وسياسية، وثقافية ودينية، وتنموية وإنسانية، واقتصادية واستثمارية.

شراكة أمام اختبار النتائج

غير أن المرحلة الجديدة من العلاقات تضع أمام البلدين تحديا مختلفا.

فانتقال العلاقة إلى مستوى أكبر من الاستثمار يتطلب أن تتحول الاتفاقيات إلى مشاريع، والمشاريع إلى إنتاج، والإنتاج إلى فرص عمل، والاستثمارات إلى قيمة مضافة يشعر بها الاقتصاد والمواطن.

فموريتانيا، بما تملكه من موارد وإمكانات وموقع جغرافي، تحتاج إلى شراكات لا تكتفي بتمويل المشاريع، وإنما تساعد على بناء اقتصاد أكثر إنتاجية، ونقل التكنولوجيا والخبرات، وتطوير الموارد البشرية، وفتح الأسواق أمام المنتجات الموريتانية.

وفي المقابل، توفر موريتانيا للمستثمر السعودي فرصا واسعة في قطاعات استراتيجية، خصوصا الزراعة والطاقة والثروة الحيوانية والبنية التحتية، بما يجعل العلاقة الاقتصادية بين البلدين قابلة للانتقال إلى مرحلة أكثر عمقا واتساعا.

علاقة تاريخية تبحث عن مستقبل اقتصادي

خطاب السفير السعودي في نواكشوط يقدم، في مجمله، صورة لعلاقة تجاوزت مرحلة المجاملات الدبلوماسية التقليدية إلى البحث عن مشاريع ومصالح اقتصادية مشتركة.

فالعلاقات بين موريتانيا والسعودية تمتلك رصيدا تاريخيا وثقافيا قويا، لكنها اليوم تواجه فرصة لبناء فصل جديد يقوم على الاستثمار والإنتاج والتنمية المستدامة.

والتحدي الحقيقي أمام هذه الشراكة ليس في عدد الاتفاقيات ولا في حجم الوفود، وإنما في قدرتها على صناعة نتائج ملموسة، وتحويل الإمكانات الكبيرة التي تحدث عنها السفير إلى مشاريع ناجحة، وفرص عمل، وإنتاج، وتنمية تمتد آثارها إلى مختلف مناطق موريتانيا.

وبذلك يمكن للعلاقة الموريتانية السعودية أن تنتقل من شراكة تستند إلى التاريخ والثقة المتبادلة إلى شراكة استراتيجية تصنع المستقبل، وتجمع بين قوة رأس المال والخبرة السعودية،والإمكانات والموارد والموقع الإستيراتيجي الموريتاني .

زر الذهاب إلى الأعلى