أخبار وطنية

حين تتحول اللغة إلى رسالة سياسية: لماذا تخلّى ولد اجاي عن “فرنسيته ” في السنغال!؟

لم يكن حديث الوزير الأول المختار ولد اجاي بالعربية في جميع خرجاته الإعلامية خلال زيارته للسنغال تفصيلاً عابراً، ولا مجرد اختيار لغوي بريء، بل بدا وكأنه رسالة سياسية ورمزية محسوبة بدقة، خاصة إذا استُحضر تاريخه الخطابي الذي اعتاد فيه خلط العربية بالفرنسية، إلى حدّ جعل هذه الأخيرة أشبه بعكاز لغوي دائم في حضوره الإعلامي والبرلماني.
هذا التحول المفاجئ يفتح الباب أمام قراءتين متداخلتين، لكل منهما دلالتها وسياقها.
القراءة الأولى لغوية–نفسية، تتصل بعلاقة ولد اجاي بالفرنسية ذاتها. فالرجل، خلافاً للصورة التي حاول طويلاً تسويقها، لا يمتلك تكويناً فرنسياً راسخاً، إذ لم يتجاوز مساره الأكاديمي باكلوريا رياضيات عربية، قبل أن يتلقى تعليمه العالي في المغرب، حيث تقوم الجامعة على خليط من العربية والدارجة، مع حضور شكلي للفرنسية. ومن هنا، يمكن فهم الإفراط السابق في إقحام الكلمات الفرنسية بوصفه نوعاً من التعويض الرمزي، أو ما يشبه “عقدة التعلق بلغة المستعمر” لدى بعض المعربين، ممن يسعون إلى إيهام المتلقي بامتلاك تكوين مزدوج، حتى وإن كان ذلك التكوين أقرب إلى الادعاء منه إلى الواقع.
أما القراءة الثانية فهي سياسية بامتياز، وتكاد تكون موجهة للداخل أكثر مما هي موجهة للسنغال. فاختيار العربية هنا لا يبدو موجهاً إلى المسؤول السنغالي بقدر ما هو رسالة مشفرة إلى الرأي العام الموريتاني، وإلى الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني على وجه الخصوص. ذلك أن الرئيس لم يتحدث في زياراته المتكررة للسنغال إلا بالفرنسية، في مشهد أعاد إنتاج علاقة ملتبسة مع اللغة العربية، وكأنها لغة غير صالحة للاستخدام في الفضاء الدبلوماسي.
في هذا السياق، بدا ولد اجاي وكأنه يتعمد “إظهار الشمس” أمام سلفه السياسي، قائلاً ضمنياً: أنا أكثر جرأة وأصالة، وأكثر تصالحاً مع العربية، وأقدر على مخاطبة الخارج دون عقد لغوية أو نفسية. وكأن الرجل أراد أن يكسر حاجزاً ظل الجنرال المتقاعد أسيراً له، أو متجنباً حتى الاقتراب منه.
هكذا، لم تكن العربية في السنغال مجرد لغة خطاب، بل أداة صراع رمزي، ووسيلة لإعادة ترتيب مواقع التفوق داخل المشهد السياسي، حيث تتحول اللغة من وسيلة تواصل إلى سلاح دلالي في معركة الشرعية والتمثيل.

زر الذهاب إلى الأعلى