وزير الصحة يجعل من الإعلام ساحة نشاطه الأولي.!

يبدو أن وزير الصحة اختار أن يجعل من الإعلام ساحة نشاطه الأولى، حيث تتكاثر التصريحات وتندر النتائج، وتُستهلك الكاميرات أكثر مما تُستهلك الحلول. خطابٌ مكرر عن “الإصلاح” و“الرقمنة” و“الإنجازات المرتقبة”، في وقت لا تزال فيه ملاحظات محكمة الحسابات حول ملف صندوق كورونا قائمة بلا توضيح مقنع، ولا تحمّل صريح للمسؤولية السياسية والأخلاقية عمّا شاب ذلك الملف من اختلالات.
بينما ينشغل المسؤول الأول عن القطاع بالصورة والخطاب، يتهاوى الواقع الصحي على رؤوس المواطنين. ففي أقسام الحالات المستعجلة، لا يموت الناس بسبب نقص البيانات الصحفية، بل بسبب غياب العناية، وشحّ التجهيزات، وضعف الجاهزية. مرضى يُتركون لساعات دون إسعاف، وأرواح تُزهق لأن المستشفى عاجز أو مُهمل، في مشهد لا يليق بدولة ولا بقطاع وُجد لحماية الحياة.
الأخطر من ذلك، أن مرافق صحية تُهدَّد بقطع الكهرباء، وكأن الحديث يدور عن إدارات ثانوية لا عن مستشفيات تُحفظ فيها أرواح البشر. أي استخفاف هذا؟ وأي عبث بمنظومة يفترض أنها خط الدفاع الأول عن حياة المواطنين؟ ومن يتحمّل مسؤولية هذا الانهيار المتراكم إن لم يكن الوزير الوصي على القطاع؟
في قطاع يفترض أن يُعنى بالوقاية والعلاج، يُترك مرضى السرطان لمصير قاسٍ: نقص في المسكنات، غياب للفحوص المبكرة، وتأخر في التشخيص، ما يحوّل الحديث الرسمي عن الإصلاح إلى مفارقة موجعة. فكيف يُصدَّق خطاب الوقاية، والمريض يتألّم أو يموت لأنه لم يجد دواءً أساسياً أو فحصاً بسيطاً هو حق أصيل له؟
أما المستشفيات العمومية، فحالها لا يحتاج إلى تزيين لغوي ولا إلى تقارير ترويجية. أوساخ، إهمال، وبنية استقبال مهينة، تفتقر لأبسط شروط الكرامة الإنسانية. أطباء يعملون في ظروف قاسية، ومرضى يُستقبلون في بيئة لا تشبه مؤسسة علاجية بقدر ما تعكس عمق الاختلال في التسيير وغياب المحاسبة.
ورغم هذا الواقع الثقيل، لا يتوقف سيل الوعود والتصريحات. حديث متواصل عن مشاريع مستقبلية، في وقت يموت فيه الحاضرون على أسرّة مهترئة، أو في ممرات الانتظار. فالظهور الإعلامي لا يُنقذ مريضاً، ولا يُسعف محتضراً، ولا يُخفف آلام السرطان. وحده الفعل الجاد، والمحاسبة الصارمة، والإدارة الكفوءة قادرة على إنقاذ ما تبقّى من قطاع يفترض أن يكون عنواناً للحياة، لا شاهداً على الموت.







