الاقتصاد

الغاز الموريتاني بين طفرة الأسعار والعوائد المؤجلة لماذا لا تستفيد موريتانيا من ارتفاع أسعار الغاز عالميًا؟

خاص،  الإتحاد

تقرير : محمدعبدالرحمن ولد عبدالله

مع الارتفاع الحاد الذي تشهده أسعار الغاز الطبيعي المسال في الأسواق العالمية، كان من المتوقع أن تكون الدول المصدرة الجديدة من أبرز المستفيدين من هذه الطفرة. غير أن موريتانيا، التي دخلت حديثًا نادي مصدري الغاز، تجد نفسها خارج معادلة الأرباح السريعة، رغم بدء التصدير من حقل السلحفاة أحميم الكبير.
ففي الوقت الذي تتصاعد فيه الأسعار بسبب الاضطرابات الجيوسياسية وتعطل طرق الإمداد العالمية، تؤكد مصادر في وزارة الطاقة أن الغاز الموريتاني لن يكون متاحًا للبيع في السوق الفورية، ما يعني أن البلاد لن تستفيد مباشرة من موجة الأسعار المرتفعة.

● مشروع عملاق بإنتاج محدود
يمثل حقل السلحفاة أحميم أحد أكبر الاكتشافات الغازية في غرب أفريقيا، إذ تُقدّر احتياطاته بنحو 15 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي. وقد بدأ التصدير التجاري منه في فبراير 2025، بعد سنوات من التطوير والتأخير بسبب جائحة كورونا وتعطل سلاسل الإمداد العالمية.
لكن المرحلة الأولى من المشروع لا تتجاوز طاقتها الإنتاجية 2.5 مليون طن من الغاز المسال سنويًا، وهي كمية تبقى محدودة مقارنة بكبار المنتجين في السوق العالمية.
فدول مثل قطر تنتج عشرات ملايين الأطنان سنويًا، ما يجعل تأثير الإنتاج الموريتاني في السوق العالمية محدودًا في المرحلة الحالية.
عقود طويلة الأجل تحرم البلاد من الأسعار المرتفعة
المشكلة الأساسية لا تتعلق فقط بحجم الإنتاج، بل بطبيعة العقود التي تحكم بيع الغاز.
فمعظم إنتاج المرحلة الأولى من المشروع تم بيعه مسبقًا عبر عقود طويلة الأجل مع شركات ومشترين في أوروبا وآسيا. هذه العقود تحدد الأسعار وآليات التسعير قبل سنوات من بدء الإنتاج، ما يجعل إعادة بيع الشحنات في السوق الفورية أمرًا غير ممكن دون خرق الالتزامات التعاقدية.
وبالتالي، فإن القفزة الحالية في الأسعار لن تنعكس مباشرة على الإيرادات الموريتانية، التي ستظل مرتبطة بالأسعار المتفق عليها مسبقًا.

● أزمة الطاقة العالمية تضغط على الأسواق
تزامن هذا الوضع مع اضطراب كبير في أسواق الطاقة العالمية، نتيجة التوترات الجيوسياسية التي أثرت على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
ويمر عبر هذا المضيق جزء كبير من صادرات الغاز العالمية، خصوصًا من دول الخليج، ما جعل أي تهديد لحركة السفن ينعكس فورًا على الأسعار.
وتشير تقديرات السوق إلى احتمال فقدان ما يصل إلى 120 مليار متر مكعب من الإمدادات العالمية في حال استمرار الاضطرابات، وهو رقم يفوق حجم النقص الذي شهدته أوروبا خلال أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية.

● من يستفيد من الغاز الموريتاني؟
رغم أهمية المشروع، فإن السؤال الذي يطرح نفسه داخل موريتانيا هو: من المستفيد الحقيقي من هذه الثروة الجديدة؟
فالمشروع يُدار من قبل تحالف شركات دولية تقوده شركة BP بالشراكة مع Kosmos Energy، إضافة إلى شركتي الطاقة الوطنيتين في موريتانيا والسنغال.
وتتحمل هذه الشركات الجزء الأكبر من تكاليف الاستثمار والتطوير، التي قُدرت بمليارات الدولارات، مقابل الحصول على حصة كبيرة من الإنتاج في السنوات الأولى.
وبحسب نماذج تقاسم الإنتاج المتبعة في قطاع الطاقة، فإن نصيب الدولة الموريتانية يرتفع تدريجيًا مع مرور الوقت ومع استرداد الشركات لاستثماراتها.

● عوائد مؤجلة أم فرصة ضائعة؟
يرى خبراء الطاقة أن العقود الطويلة الأجل ليست بالضرورة سلبية، إذ تمنح الدول المنتجة استقرارًا ماليًا وتضمن تسويق الإنتاج في الأسواق العالمية.
لكن في المقابل، فإنها تحرم الدول في كثير من الأحيان من الاستفادة من الارتفاعات المفاجئة في الأسعار، كما يحدث اليوم.
وبالنسبة لموريتانيا، فإن الفائدة الحقيقية من الغاز قد تظهر بشكل أكبر في المراحل اللاحقة من المشروع، عندما ترتفع الطاقة الإنتاجية وتزداد حصة الدولة من العائدات.

● تحدي تحويل الغاز إلى تنمية
يبقى التحدي الأكبر أمام موريتانيا ليس فقط في تصدير الغاز، بل في تحويل هذه الثروة إلى تنمية اقتصادية حقيقية.
فالعديد من الدول المنتجة للموارد الطبيعية عانت مما يعرف بـ”لعنة الموارد”، حيث تتحول الثروات إلى مصدر للفساد أو سوء التسيير بدل أن تكون رافعة للنمو.
لذلك يطرح اقتصاديون سؤالًا جوهريًا:
هل سيتم توظيف عائدات الغاز في تطوير البنية التحتية والتعليم والصناعة، أم ستضيع في دوامة الهدر والاختلالات المالية وسوء التسيير ؟

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى