حين يصنع التصفيق والإنقياد الأعمي قادة وطغاة

في كثير من الأحيان، لا يولد الفساد قويًا من تلقاء نفسه، بل يجد من يرعاه ويمنحه الشرعية الاجتماعية. فالفاسد، مهما بلغ نفوذه، لا يستطيع أن يستمر طويلًا دون بيئة تتسامح معه، أو جمهور يصفق له، أو مجتمع يتعامل مع فساده بوصفه قدرًا لا مفر منه. وهنا تبدأ المأساة الحقيقية: حين يتحول المجتمع – عن وعي أو عن غير وعي – إلى شريك صامت في صناعة الطغيان.
إن أخطر ما يواجه أي مجتمع ليس فقط وجود مسؤول فاسد، بل وجود ثقافة عامة تتكيف مع الفساد، وتتعامل معه بوصفه أمرًا طبيعيًا. فحين يصبح التملق طريقًا للمصالح، وحين يُنظر إلى النزاهة باعتبارها سذاجة، وحين يُكافأ المنافقون ويُقصى الصادقون، فإننا لا نكون أمام أزمة أفراد، بل أمام أزمة قيم.
لقد اعتاد كثيرون أن يلقوا باللوم كله على السلطة، لكن الحقيقة الأكثر مرارة هي أن بعض المجتمعات تسهم – بدرجات متفاوتة – في رفع قدر المفسدين. فكم من مسؤول فاشل صُنع له مجد وهمي بالتصفيق! وكم من متنفذ تضخم نفوذه بسبب طوابير المهللين حوله! وكم من مشروع فاسد مرّ لأن أحدًا لم يجرؤ على قول كلمة حق.
في مجتمعات تسودها ثقافة الولاء للأشخاص بدل الولاء للقانون، يصبح المسؤول أشبه بزعيم قبيلة لا موظفًا عموميًا. ويغدو النقد خيانة، والمطالبة بالشفافية وقاحة، بينما يتحول النفاق إلى مهارة اجتماعية يتقنها الباحثون عن القرب من مراكز النفوذ.
غير أن المسؤولية هنا لا تقع على عامة الناس وحدهم؛ فالفاسدون بارعون في صناعة بيئة الطاعة حولهم. إنهم يوزعون الامتيازات، ويصنعون شبكات المصالح، ويغذون الخوف، حتى يصبح الصمت أكثر أمانًا من المواجهة. وهكذا ينشأ نظام غير مكتوب يقوم على قاعدة بسيطة: “اصمت تنجُ، وصفّق تربح”.
لكن التاريخ يعلمنا أن المجتمعات التي تتصالح مع الفساد تدفع الثمن باهظًا. فالفساد ليس مجرد سرقة للمال العام؛ إنه سرقة للأمل، وتخريب للمؤسسات، وإضعاف للدولة، وفتح لباب الظلم وعدم تكافؤ الفرص. ومع مرور الوقت، يصبح الفساد بنية كاملة يصعب تفكيكها، لأنه لم يعد فعل أفراد بل صار ثقافة عامة.
إن أول خطوة في مواجهة الفساد ليست فقط محاسبة المفسدين، بل أيضًا تحرير المجتمع من ثقافة التصفيق الأعمى. فالمجتمع الذي يصفق للفاسد اليوم، قد يكتشف غدًا أنه كان يصفق لانهيار مستقبله بيديه.
وفي النهاية، لا يمكن لأي فاسد أن يحكم مجتمعًا يرفضه، كما لا يمكن لأي طغيان أن يستمر في بيئة تؤمن بالمحاسبة. فحين يتوقف التصفيق، يبدأ سقوط الأقنعة، وتعود القيم إلى مكانها الطبيعي.
لأن الأمم لا يفسدها المفسدون وحدهم، بل يفسدها أيضًا صمت الذين يعرفون الحقيقة ويختارون ألا يقولوها.
محمدعبدالرحمن ولد عبدالله
صحفي ، وكاتب
medabd388@gmail..com







