الاتحاد الأوروبي يعيد تموضعه في الساحل الإفريقي عبر موريتانيا وتشاد
● تحليل صحفي استراتيجي في الجغرافيا السياسية والأمن الإقليمي
محمد عبدالرحمن ولد عبدالله
صحفي متابع لشؤون دول الساحل الإفريقي
نواكشوط – موريتانيا
medabd388@gmail.com
الساحل الإفريقي يعود إلى قلب التنافس الدولي
لم تعد منطقة الساحل الإفريقي مجرد فضاء جغرافي يواجه الإرهاب والجريمة العابرة للحدود والهشاشة الاقتصادية، بل تحولت إلى إحدى أبرز ساحات إعادة تشكيل النفوذ الدولي في إفريقيا. فبين تراجع الحضور العسكري الغربي في عدد من دول المنطقة، وتوسع الشراكات الأمنية مع روسيا، وسعي الحكومات الإفريقية إلى تنويع خياراتها الاستراتيجية، تتشكل معادلة إقليمية جديدة تتجاوز حدود المواجهة التقليدية بين القوى الدولية.
وفي هذا السياق، يبرز التحرك الأوروبي باتجاه موريتانيا وتشاد بوصفه مؤشرا على مراجعة أوسع للسياسة الأوروبية في الساحل، بعد التحولات التي شهدتها مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وانحسار أشكال من التعاون العسكري الغربي، وصعود شركاء جدد في مقدمتهم روسيا.
وتعزز هذا الاتجاه خطوات مؤسسية واضحة؛ فقد عين مجلس الاتحاد الأوروبي، في 23 يوليو 2026، بيرغيت نيغارد ماركوسن ممثلة خاصة جديدة للاتحاد في منطقة الساحل، لتتولى مهامها ابتداء من سبتمبر من العام نفسه، ضمن تفويض يشمل موريتانيا وتشاد ومالي والنيجر وبوركينا فاسو. كما قرر المجلس، في يونيو 2026، تمديد الفترة الزمنية لتنفيذ إجراء دعم القوات المسلحة الموريتانية إلى أكتوبر 2028، بسبب تأخر تسليم بعض المعدات.
وتكشف هذه الخطوات عن استمرار الرهان الأوروبي على الشراكات الإقليمية، رغم تعقد البيئة السياسية والأمنية التي يتحرك فيها الاتحاد. لكنها لا تقدم، بمفردها، دليلا على وجود خطة أوروبية موحدة لإعادة الانتشار العسكري أو على أن جميع التحركات الأوروبية تستهدف روسيا بصورة مباشرة.
ومن هنا يبرز السؤال الاستراتيجي: هل يسعى الاتحاد الأوروبي إلى بناء نموذج جديد للتعاون الأمني والتنموي مع دول الساحل، أم يحاول استعادة موقعه في منطقة تتراجع فيها قدرته التقليدية على التأثير، ويزداد فيها حضور منافسين دوليين؟
الإجابة تقتضي قراءة التحركات الأوروبية في ضوء ثلاثة مستويات مترابطة: المصالح الأمنية والاقتصادية الأوروبية، وحسابات الدول الإفريقية وسيادتها، والتنافس المتزايد على الشراكات والنفوذ في القارة.
أولا: من الانكفاء إلى إعادة التموضع.. مراجعة أوروبية تحت ضغط التحولات
أظهرت التحولات التي شهدتها مالي والنيجر وبوركينا فاسو حدود النموذج الأمني الذي اعتمدت عليه القوى الغربية لسنوات. فقد تداخلت الأزمات السياسية والانقلابات العسكرية وتدهور الأوضاع الأمنية مع تنامي الاعتراض على الوجود العسكري الأجنبي، ما أدى إلى تراجع العلاقات مع شركاء غربيين وتعزيز التعاون مع قوى أخرى.
وفي دراسة نشرها البرلمان الأوروبي في 29 يونيو 2026، تناولت الباحثة نينا ويلين تطور الانخراط الأوروبي في الساحل، مشيرة إلى أن التحولات السياسية وتفاقم العنف المسلح وإعادة توجيه الشراكات نحو أطراف غير غربية، من بينها روسيا وتركيا ودول الخليج، أسهمت في إضعاف العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وعدد من دول المنطقة. كما ناقشت الدراسة التحديات التي تواجه أي محاولة أوروبية لإعادة بناء هذا الانخراط.
وتكشف هذه القراءة عن مشكلة تتجاوز خسارة مواقع عسكرية أو تراجع نفوذ دبلوماسي؛ إذ تتعلق بمدى قدرة الشركاء الدوليين على فهم التحولات المحلية، والاستجابة لتطلعات المجتمعات الإفريقية، وتقديم نتائج أمنية وتنموية ملموسة.
فالتعاون العسكري، مهما بلغت أهميته، لا يستطيع وحده معالجة أسباب العنف المرتبطة بضعف المؤسسات، والنزاعات المحلية، والفقر، وتهميش المناطق الحدودية، وغياب الخدمات الأساسية. كما أن الاستقرار لا يمكن اختزاله في حماية الأنظمة أو تأمين الطرق والمعابر، ما لم يقترن بتعزيز قدرة الدولة على بسط القانون وتحسين حياة المواطنين.
من هذا المنطلق، يمكن فهم المقاربة الأوروبية المتجددة باعتبارها محاولة لتكييف الأدوات مع واقع لم تعد فيه القواعد العسكرية والاتفاقات التقليدية كافية لضمان النفوذ. فالحوار السياسي، ودعم المؤسسات الأمنية، والتعاون في إدارة الحدود، والمساعدات التنموية، والشراكات الاقتصادية، كلها أدوات تسمح لأوروبا بالحفاظ على حضورها حتى في البيئات التي يصعب فيها استعادة نموذجها العسكري السابق.
غير أن إعادة التموضع لا تعني بالضرورة التخلي عن المصالح الاستراتيجية. فالأمن الأوروبي مرتبط، من وجهة نظر صانعي سياساته، باستقرار جواره الجنوبي، والحد من نشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب، وإدارة الهجرة غير النظامية، وحماية المصالح الاقتصادية والتجارية.
وعليه، فإن التحدي الأوروبي لا يتمثل فقط في العودة إلى الساحل، بل في تحديد طبيعة الحضور الذي تستطيع دول المنطقة قبوله، والنتائج التي يمكن أن يقدمها بعيدا عن منطق التنافس على النفوذ وحده.
ثانيا: موريتانيا.. بوابة استراتيجية إلى الساحل الإفريقي
تحتل موريتانيا موقعا محوريا في الحسابات الإقليمية والدولية، بحكم امتدادها الجغرافي بين المغرب العربي وغرب إفريقيا، وإطلالتها على المحيط الأطلسي، وحدودها مع مالي، التي تشهد مناطق واسعة منها اضطرابات أمنية متواصلة.
وتكتسب نواكشوط أهميتها من كونها شريكا أمنيا ودبلوماسيا في منطقة تتقلص فيها خيارات بعض القوى الغربية، فضلا عن أن موقعها يسمح بربط قضايا الساحل بملفات الهجرة والطاقة والتجارة والتعاون التنموي.
ويمكن تحديد ثلاثة أبعاد رئيسية لهذه الأهمية.
1. الأمن ومكافحة الإرهاب
يمثل تأمين الحدود الشرقية، ومراقبة التحركات المسلحة، ومكافحة التهريب والجريمة العابرة للحدود، أولوية وطنية موريتانية قبل أن يكونا جزءا من أجندة الشركاء الدوليين.
وتمنح هذه الأولويات التعاون مع الاتحاد الأوروبي أساسا عمليا ، خصوصا في مجالات التجهيز والتدريب وتطوير القدرات اللوجستية. وقد أقر الاتحاد الأوروبي في يوليو 2024 إجراء دعم للقوات المسلحة الموريتانية ضمن مرفق السلام الأوروبي، ثم مدد فترة تنفيذه في يونيو 2026 حتى 22 أكتوبر 2028، بسبب تأخر تسليم بعض المعدات.
وتدل هذه الخطوة على استمرار التعاون الدفاعي، لكنها لا تعني تلقائيا وجود انتشار قتالي أوروبي جديد داخل الأراضي الموريتانية، ولا تكفي وحدها لإثبات أن موريتانيا أصبحت جزءا من استراتيجية موجهة ضد روسيا.
2. إدارة الهجرة والحدود
تمثل موريتانيا شريكا مهما لأوروبا في إدارة تدفقات الهجرة غير النظامية ومكافحة شبكات التهريب. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل موقع البلاد على طرق تربط غرب إفريقيا بشمالها، وبالمسارات البحرية المؤدية إلى جزر الكناري.
لكن هذا التعاون يطرح أسئلة تتعلق بالتوازن بين المتطلبات الأمنية والالتزامات الحقوقية، ولا سيما حماية المهاجرين وضمان المعاملة الإنسانية واحترام الإجراءات القانونية.
فإذا اختزلت الشراكة في منع المغادرة وضبط الحدود، فقد تتحول إلى علاقة غير متوازنة، تتحمل فيها الدول الإفريقية جانبا كبيرا من الأعباء الميدانية والإنسانية، بينما تتركز المكاسب المباشرة لدى الطرف الأوروبي.
أما إذا اقترنت إدارة الهجرة بفرص اقتصادية حقيقية، ودعم المجتمعات الحدودية، والتعاون في مكافحة شبكات الاستغلال والاتجار بالبشر، فإنها تصبح أكثر قابلية للاستمرار.
3. الاستمرارية المؤسسية في بيئة متقلبة
تتيح العلاقة مع نواكشوط للاتحاد الأوروبي الاحتفاظ بقنوات للتعاون الأمني والدبلوماسي في منطقة تغيرت فيها التحالفات بسرعة. كما يوفر وجود أطر إقليمية للتشاور والتنسيق في العاصمة الموريتانية قاعدة محتملة لتعزيز الحوار بشأن تحديات الساحل.
وتبرز هنا مفارقة استراتيجية: كلما ازدادت الاضطرابات في مالي والمناطق المجاورة، ازدادت أهمية موريتانيا بوصفها دولة حدودية وشريكا يمكن العمل معه في مجالات الأمن والتنمية وإدارة المخاطر.
لكن الأهمية الجغرافية لا تعني أن البلاد مطالبة بالانحياز إلى أحد أطراف التنافس الدولي. فموريتانيا تمتلك مصالحها الوطنية، وأمنها لا يتوقف على هوية الشريك الخارجي بقدر ما يتوقف على فاعلية التعاون، واحترام السيادة، وتجنب نقل صراعات الآخرين إلى أراضيها.
ومن ثم، فإن أفضل قراءة لموقع نواكشوط هي أنها شريك يمتلك خيارات تفاوضية، لا مجرد منصة جغرافية لتنفيذ أجندات خارجية.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع موريتانيا تحويل هذه الأهمية إلى مكاسب مستدامة في التدريب والتجهيز والاستثمار والبنية التحتية وتنمية المناطق الحدودية، أم ستظل الأولوية للشق الأمني على حساب الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية؟
ثالثا: تشاد.. عقدة جيوسياسية بين الساحل ووسط إفريقيا
إذا كانت موريتانيا تمثل إحدى نقاط الارتكاز في الساحل الغربي، فإن تشاد تحتل موقعا استراتيجيا مختلفا، عند تقاطع الساحل ووسط إفريقيا ومنطقة بحيرة تشاد، وعلى تماس مع بؤر اضطراب تمتد إلى السودان وليبيا وجمهورية إفريقيا الوسطى.
وتمنح هذه الجغرافيا تشاد أهمية تتجاوز حدودها الوطنية، بالنظر إلى التهديدات العابرة للحدود، وحركة اللاجئين والنازحين، والنشاط المسلح في محيطها الإقليمي.
غير أن العلاقة التشادية مع أوروبا، وخصوصا فرنسا، دخلت مرحلة جديدة بعد إنهاء الوجود العسكري الفرنسي في البلاد مطلع عام 2025. فقد مثل خروج القوات الفرنسية تحولا مهما في العلاقة بين الطرفين، وأكد أن استمرار الشراكات الأمنية لم يعد أمرا مضمونا بمجرد الروابط التاريخية أو الاتفاقات السابقة.
لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن القطيعة لا تعني بالضرورة إغلاق الباب أمام التعاون. ففي تقرير نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية في 13 يونيو 2026، تحدثت الصحيفة عن تحركات فرنسية تشادية لإعادة بناء الشراكة العسكرية بصيغة أكثر مرونة، تشمل التدريب وتبادل المعلومات والتعاون الجوي، مع تجنب العودة إلى نموذج الوجود العسكري الدائم السابق.
وتكشف هذه التطورات عن حسابات متبادلة؛ فتشاد تحتاج إلى شركاء قادرين على توفير التدريب والتجهيز والدعم الفني، فيما تسعى فرنسا إلى الاحتفاظ بقنوات تأثير في منطقة ذات أهمية استراتيجية، ولكن ضمن ترتيبات أكثر حساسية تجاه مسألة السيادة والرفض الشعبي للوجود العسكري الأجنبي.
وبالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، فإن استقرار تشاد يرتبط بأبعاد متعددة، منها الأمن الحدودي، والأزمات الإنسانية، والنزوح، ومواجهة الجماعات المسلحة، ودعم المجتمعات المتضررة من النزاعات.
ومع ذلك، يجب التمييز بين تحرك فرنسي لاستعادة بعض أشكال التعاون الثنائي وبين سياسة أوروبية موحدة لإعادة الانتشار العسكري. ففرنسا دولة عضو لها مصالحها الخاصة، ولا تتطابق أولوياتها بالضرورة مع أولويات جميع الدول الأوروبية.
كما أن إعادة بناء التعاون مع تشاد لا تعني بالضرورة إنشاء قواعد جديدة أو نشر قوات قتالية أوروبية. فقد تتخذ الشراكة شكل اتفاقات تدريب أو دعم فني أو تبادل معلومات أو تعاون في مجالات محددة.
والدلالة الأوسع هنا أن دول الساحل ووسط إفريقيا لم تعد تتعامل مع الشراكات الخارجية باعتبارها علاقات ثابتة، بل أصبحت تعيد تقييمها وفق الاحتياجات والقدرات والنتائج العملية. وهذا التحول يفرض على أوروبا التفاوض من موقع مختلف، يأخذ في الاعتبار أن الشريك الإفريقي يمتلك بدائل وخيارات، وإن كانت متفاوتة في قدراتها.
رابعا: روسيا.. منافس استراتيجي أم شريك تستثمر فيه دول الساحل؟
لا يمكن فهم التحرك الأوروبي في الساحل من دون التوقف عند الحضور الروسي، الذي أصبح عنصرا مؤثرا في حسابات عدد من الحكومات الإفريقية، خصوصا في الدول التي شهدت تدهورا في علاقاتها مع فرنسا وشركاء غربيين آخرين.
وقد استفادت موسكو من التحولات السياسية والأمنية لتوسيع علاقاتها في مجالات التعاون العسكري والأمني، مقدمة نفسها شريكا مستعدا للعمل مع حكومات لا ترغب في استمرار الشروط السياسية التي رافقت بعض الشراكات الغربية.
لكن اختزال هذا الحضور في مواجهة مباشرة بين روسيا وأوروبا لا يفسر جميع أبعاده. فالحكومات الإفريقية ليست مجرد أطراف تتلقى قرارات القوى الكبرى، بل تسعى، بدرجات متفاوتة، إلى تنويع مصادر الدعم، وتحسين شروط التفاوض، وتوسيع هامش استقلالها في السياسة الخارجية.
وفي المقابل، تواجه الشراكات الروسية أسئلة تتعلق بمدى قدرتها على تقديم استقرار مستدام، وحماية المدنيين، وتعزيز المؤسسات الوطنية، ومعالجة الأسباب العميقة للعنف. وهي أسئلة ينبغي طرحها على جميع الشركاء الخارجيين، بصرف النظر عن هويتهم أو خطابهم السياسي.
أما بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، فإن اتساع العلاقات الروسية مع بعض دول الساحل يشكل تحديا لنفوذه ومصالحه، لكنه ليس بالضرورة العامل الوحيد الذي يحدد سياسته. فالهجرة والأمن ومكافحة الإرهاب والمصالح الاقتصادية والاستقرار الإقليمي ملفات قائمة بذاتها، حتى في غياب التنافس مع موسكو.
ومن هنا، فإن المقاربة الأكثر دقة تتمثل في النظر إلى التنافس الروسي الأوروبي باعتباره أحد مستويات الصراع على النفوذ، لا تفسيرا شاملا لكل تحرك دبلوماسي أو أمني.
وتبقى المسألة الجوهرية هي ما إذا كان هذا التنافس سيدفع القوى الدولية إلى تقديم شراكات أكثر استجابة لأولويات دول الساحل، أم سيؤدي إلى زيادة الاستقطاب، وإلى تحويل الأزمات المحلية إلى ساحات إضافية للصراع الدولي.
خامسا: هل يتشكل محور أوروبي جديد عبر موريتانيا وتشاد؟
يتيح النظر إلى موريتانيا وتشاد معا فهما أوسع للكيفية التي يمكن أن يعيد بها الاتحاد الأوروبي بناء علاقاته في المنطقة. فالدولتان تحتلان موقعين مختلفين، لكنهما متكاملان من الناحية الجغرافية في قراءة المشهد الأمني الأوسع.
تمثل موريتانيا نقطة ارتكاز في الساحل الغربي، حيث تتقاطع قضايا الحدود مع مالي، والهجرة عبر الأطلسي، والعلاقات مع غرب إفريقيا والمغرب العربي. أما تشاد فتربط الساحل بوسط إفريقيا، وتتأثر مباشرة بالأزمات الممتدة من السودان وليبيا ومنطقة بحيرة تشاد.
ويمنح هذا التباين أوروبا فرصة لتطوير شراكات متعددة المستويات، بدل الاعتماد على نموذج واحد للانخراط في جميع دول المنطقة.
لكن الحديث عن محور أوروبي متكامل عبر البلدين يحتاج إلى الحذر. فوجود علاقات أمنية ودبلوماسية مع دولتين لا يثبت وحده وجود مشروع موحد لإعادة الانتشار، كما أن المصالح الأوروبية ليست متطابقة دائما، ولا تتخذ جميع الدول الأعضاء المواقف نفسها تجاه روسيا أو تجاه طبيعة التعاون العسكري في إفريقيا.
الأقرب إلى الواقع أن أوروبا تحاول الاحتفاظ بشبكة من الشراكات القابلة للتكيف مع اختلاف البيئات السياسية والأمنية. وقد يتيح ذلك استمرار حضورها في الدول التي لا تزال مستعدة للتعاون معها، حتى عندما تتراجع قدرتها على العمل في دول أخرى.
غير أن نجاح هذا التوجه سيعتمد على قدرة الاتحاد الأوروبي على تجاوز التناقضات بين أهدافه المعلنة ونتائج سياساته. فالتعاون الأمني لن يكون مستداما إذا لم يقترن بالتنمية، واحترام السيادة، وتعزيز المؤسسات، وإشراك المجتمعات المحلية في تحديد أولوياتها.
كما أن نجاح الشراكة لا يقاس بعدد الاتفاقات الموقعة أو المعدات المقدمة، بل بمدى مساهمتها في الحد من العنف، وتحسين مراقبة الحدود، وتعزيز قدرات القوات الوطنية، وحماية المدنيين، وفتح آفاق اقتصادية أمام السكان.
سادسا: الرهان الموريتاني.. كيف تتحول الجغرافيا إلى مكاسب وطنية؟
بالنسبة إلى موريتانيا، لا ينبغي أن ينحصر النقاش في سؤال ما إذا كانت أوروبا تستعيد نفوذها أو تحاول الحد من التمدد الروسي. فالسؤال الأكثر اتصالا بالمصلحة الوطنية هو: ما الذي يمكن أن تكسبه البلاد من هذا التحول، وكيف تحافظ على استقلال قرارها في بيئة دولية شديدة التنافس؟
أول هذه المكاسب المحتملة هو تعزيز القدرات الوطنية في مجالات مراقبة الحدود والاستطلاع والاتصالات والتدريب والدعم اللوجستي. غير أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب تحديد الاحتياجات الوطنية بصورة مستقلة، وربط المساعدات بخطط واضحة لتطوير المؤسسات العسكرية والأمنية، بدل الاكتفاء بتلقي المعدات.
وثانيها توسيع التعاون الاقتصادي والتنموي. فالمناطق الحدودية لا تحتاج إلى الإجراءات الأمنية وحدها، وإنما تحتاج أيضا إلى الطرق والمياه والصحة والتعليم وفرص العمل. وكلما تحسنت ظروف السكان، ازدادت قدرة الدولة على بناء علاقة مستقرة مع مجتمعاتها المحلية، وتعززت فرص الحد من الأنشطة غير المشروعة التي تستفيد من الهشاشة والفقر.
أما المكسب الثالث فيتعلق بالاستقلال الاستراتيجي. إذ يمكن لموريتانيا، من حيث المبدأ، أن تنوع علاقاتها الدولية، وتحافظ على التعاون مع شركائها الأوروبيين، وتستكشف فرصا أخرى تخدم مصالحها، من دون تحويل أراضيها أو سياساتها إلى أدوات في مواجهة بين القوى الكبرى.
لكن هذا التوازن لا يتحقق بمجرد إعلان سياسة خارجية مستقلة؛ بل يحتاج إلى وضوح الأولويات الوطنية، وشفافية الاتفاقات، وتقييم دوري لنتائج التعاون، والتأكد من أن الالتزامات الخارجية لا تنتقص من حرية القرار الوطني.
ومن الضروري كذلك أن تكون الشراكات الأمنية خاضعة للمساءلة المؤسسية، وأن تتضح أهدافها وتكاليفها ونتائجها، مع مراعاة حقوق الإنسان والقانون الوطني والالتزامات الدولية.
فالموقع الجغرافي يمنح موريتانيا أهمية في حسابات الآخرين، لكنه لا يتحول تلقائيا إلى قوة تفاوضية. إنما تتحدد قيمته بقدرة الدولة على صياغة مصالحها، وتحويل الاهتمام الدولي إلى برامج ملموسة تخدم الأمن والتنمية والاستقرار.
سابعا: ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الانخراط الأوروبي في الساحل
يمكن استشراف مستقبل الدور الأوروبي في المنطقة من خلال ثلاثة سيناريوهات رئيسية، تظل جميعها احتمالات تحليلية وليست نتائج محسومة.
السيناريو الأول: شراكة أمنية وتنموية أكثر واقعية
في هذا المسار، يعيد الاتحاد الأوروبي صياغة تعاونه وفق احتياجات كل دولة، مع التركيز على بناء القدرات الوطنية، وتحسين إدارة الحدود، ودعم التنمية المحلية، وتعزيز المؤسسات. وقد يساعد هذا النهج على الاحتفاظ بقنوات التأثير الأوروبية، من دون الحاجة إلى استعادة الانتشار العسكري السابق.
السيناريو الثاني: تنافس متزايد على الشركاء والنفوذ
في هذا المسار، تتزايد أهمية التنافس الروسي الأوروبي، فتسعى القوى الخارجية إلى تعزيز علاقاتها الأمنية والسياسية مع الحكومات الإفريقية. وقد يمنح ذلك بعض الدول فرصا لتوسيع خياراتها التفاوضية، لكنه قد يزيد أيضًا الضغوط عليها، ويجعل التعاون الأمني أكثر ارتباطا بحسابات المنافسة الدولية.
السيناريو الثالث: استمرار الشراكات المحدودة دون معالجة جذور الأزمة
في هذا المسار، يستمر التعاون في التدريب والتجهيز وإدارة الحدود، بينما تبقى أسباب عدم الاستقرار قائمة، بما فيها ضعف الخدمات العامة، والنزاعات المحلية، والهشاشة الاقتصادية، وتحديات الحكم. وفي هذه الحالة، قد تحافظ أوروبا على قدر من الحضور، لكن من دون تحقيق تحول جوهري في البيئة الأمنية.
ولا يمكن ترجيح أحد هذه السيناريوهات بصورة قاطعة استنادا إلى القرارات الأوروبية الأخيرة وحدها. فالمسار الفعلي سيتأثر بتطورات الأمن الإقليمي، ومواقف الحكومات الإفريقية، ونتائج التعاون على الأرض، وقدرة الاتحاد الأوروبي على تنسيق سياساته بين مؤسساته ودوله الأعضاء.
خاتمة:
معركة النفوذ لا ينبغي أن تكون على حساب استقرار الساحل
إن إعادة تموضع الاتحاد الأوروبي في الساحل عبر موريتانيا وتشاد تعكس تحولات أعمق في موازين النفوذ داخل إفريقيا، حيث لم تعد العلاقات الأمنية حكرا على الشركاء التقليديين، ولم يعد استمرار الوجود الخارجي مضمونا بالروابط التاريخية أو الاتفاقات السابقة.
وتكشف التجربة الأخيرة أن دول المنطقة تسعى إلى إعادة تعريف علاقاتها الدولية، في ظل حاجتها إلى الأمن والاستقرار والتمويل والتنمية، وفي ظل رغبتها في توسيع هامش استقلال قرارها.
بالنسبة إلى أوروبا، يمثل هذا الواقع تحديا لقدرتها على الحفاظ على مصالحها وتطوير شراكات مقبولة محليا. وبالنسبة إلى روسيا، فإنه يوفر فرصا لتوسيع الحضور، لكنه يضع أي شراكة جديدة أمام اختبار النتائج العملية. أما بالنسبة إلى موريتانيا وتشاد، فإن التنافس الدولي يفتح مجالا للمناورة، لكنه يحمل أيضا مخاطر الارتهان لحسابات لا تنطلق بالضرورة من أولوياتهما الوطنية.
وفي الحالة الموريتانية تحديدا، ينبغي أن يكون معيار تقييم العلاقات الخارجية هو ما تحققه للبلاد من أمن وتنمية وقدرة مؤسسية، لا ما تمنحه لأي طرف دولي من نفوذ إضافي. فالشراكة الناجحة هي التي تعزز سيادة الدولة، وتحمي المواطنين، وتدعم التنمية، وتترك القرار الوطني في يد مؤسساته.
وفي النهاية، فإن السؤال الحاسم ليس ما إذا كان الاتحاد الأوروبي قادرا على منافسة روسيا في الساحل، بل ما إذا كانت القوى الدولية مستعدة لتقديم تعاون يعالج جذور الأزمات، ويحترم خيارات الدول الإفريقية، ويمنح المجتمعات المحلية نصيبا ملموسا من ثمار الاستقرار.
فالساحل لا يحتاج إلى مجرد تبديل الشركاء، ولا إلى تحويل أراضيه إلى ساحات لتصفية حسابات القوى الكبرى؛ بل يحتاج إلى أمن مستدام، ومؤسسات فعالة، وتنمية عادلة، وشراكات تقوم على المصالح المتبادلة واحترام السيادة.
وهنا يكمن الاختبار الحقيقي لموريتانيا وتشاد: هل تستطيعان تحويل التنافس الدولي إلى فرصة لبناء قوة وطنية أكثر استقلالا، أم ستظل جغرافيتهما الاستراتيجية سببا في تنافس الآخرين على النفوذ داخلهما؟








