اتفاقات على الورق… حين تتحول محاربة الغلاء إلى حملة علاقات عامة بلا أثر!!

في مشهد بات مألوفًا لدى الرأي العام، أشرفت وزيرة التجارة والسياحة، زينب بنت أحمدناه، على توقيع اتفاق جديد مع اتحادية التجارة لتحديد أسعار ما يُسمّى «المواد الأساسية»، وسط حضور رسمي كثيف وبيانات مطوّلة عن محاربة الغلاء وحماية القدرة الشرائية، في تكرار يكاد يكون حرفيًا لسيناريوهات سابقة لم تُسفر إلا عن مزيد من فقدان الثقة.
الاتفاق، الذي قُدِّم بوصفه خطوة حاسمة لضبط السوق، لا يخرج في جوهره عن كونه حلقة جديدة في حملة علاقات عامة دأبت الوزارة على إطلاقها كلما اشتدت موجة الغلاء أو تصاعدت شكاوى المواطنين. فالتجربة أثبتت، مرة بعد أخرى، أن مثل هذه الاتفاقات سرعان ما تتبخر فور مغادرة عدسات الكاميرات، ولا تصمد أمام واقع السوق، حيث تبقى الأسعار رهينة المضاربات وغياب الرقابة الفعلية.
ورغم الإعلان عن «تثبيت» أسعار السكر والأرز والزيت والقمح واللبن، فإن المواطن الموريتاني يدرك، بحكم التجربة، أن هذه الأرقام ستظل حبيسة البيانات الرسمية، ولن تعكسها رفوف المتاجر ولا فواتير الشراء اليومية. فالاتفاقات السابقة، التي رُوّج لها بنفس اللغة ونفس الوعود، انتهت إلى الفشل، دون أن تُحاسَب جهة، أو يُقدَّم تفسير مقنع للفجوة الدائمة بين الخطاب الحكومي والواقع المعيشي.
وتحاول الوزارة، كعادتها، تبرير الخطوة بالحديث عن «استقرار السوق الدولي» و«حرية المنافسة» و«تسقيف الأسعار»، وهي عناوين استُهلكت حتى فقدت معناها، في ظل عجز واضح عن فرض احترام هذه التسقيفات أو حماية المستهلك من جشع الوسطاء وكبار التجار. بل إن ترك السوق لما يُسمّى حرية المنافسة، دون أدوات رقابة صارمة وشفافة، لم يكن في أي وقت سوى وصفة مضمونة لتعميق الفوضى السعرية.
الأخطر من ذلك أن هذا النمط من الخطاب لم يعد يحظى بأي اهتمام شعبي يُذكر. فالمواطن، الذي يرزح تحت وطأة الغلاء، بات ينظر إلى هذه الاتفاقات باعتبارها جزءًا من سياسة قديمة تقوم على استغباء الرأي العام وتدوير نفس الوعود منذ سنوات، دون نتائج ملموسة. لم تعد البيانات ولا حفلات التوقيع تقنع أحدًا، لأن التجربة اليومية في السوق هي الحكم الفصل.
إن ما يحتاجه المواطن اليوم ليس اتفاقًا جديدًا يُضاف إلى أرشيف الوزارة، بل سياسة جادة تُترجم إلى رقابة حقيقية، وعقوبات صارمة، وشفافية في سلاسل الاستيراد والتوزيع. أما الاستمرار في تسويق اتفاقات لا تعمّر أكثر من أيام، فلن يكون سوى إمعان في فقدان المصداقية، وتعميق الفجوة بين الحكومة والشارع.







