رسالة الفن السامي… البوصلة بين نقد السلطة والخطاب الهابط .

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله
صحفي وكاتب, انواكشوط
medabd388@gmail
في لحظات الأزمات الكبرى التي
تعيشها الأمم، لا يكون الفن ترفًا، بل يتحول إلى أداة وعي، ومرآة صادقة تعكس أوجاع الناس، وتفتح أعينهم على مكامن الخلل. فالفن، في جوهره، رسالة نبيلة تتجاوز حدود الترفيه، لتلامس قضايا المجتمع العميقة، وتطرح الأسئلة المؤلمة التي يعجز السياسي أحيانًا عن مواجهتها.
غير أن ما نشهده اليوم في بعض الأعمال الفنية، يطرح تساؤلات حقيقية حول هذا الدور. فبدل أن يكون الفن صوتًا للفقراء، ولسان حال الشباب العاطل عن العمل، وضحايا التهميش وسوء التسيير، ينزلق أحيانًا إلى مستوى الخطاب المتشنج، القائم على السب والشتم، وهو ما يفقده قيمته وتأثيره.
لا شك أن الواقع الموريتاني اليوم مثقل بالتحديات: بطالة متفشية في أوساط الشباب، خدمات عمومية متدهورة، فوارق اجتماعية متسعة، واتهامات متكررة بالفساد وسوء الحكامة. وهي قضايا جوهرية تستحق أن تكون في صدارة الخطاب الفني والإعلامي، لا أن تُختزل في ردود أفعال غاضبة أو تصفية حسابات ضيقة.
إن توجيه النقد إلى السلطة، بما فيها نظام الرئيس محمد ولد الغزواني وحكومته، حق مشروع، بل ضرورة في أي مجتمع يسعى إلى الإصلاح. لكن هذا النقد يفقد معناه حين يُقدَّم في قالب مبتذل، يخاطب الغرائز بدل العقول، ويستبدل الحجة بالإهانة.
وفي هذا السياق، أثارت إحدى أغاني فرقة أولاد لبلاد جدلًا واسعًا، ليس بسبب جرأة الطرح، بل بسبب الأسلوب الذي طغى عليه السب والشتم، بدل النقد الهادف والبناء. وهو ما شكل خيبة أمل لدى شريحة واسعة من المتابعين، الذين اعتادوا من هذه الفرقة أعمالًا أكثر عمقًا والتصاقًا بقضايا الناس.
لقد كان الأجدر، بدل هذا الانزلاق، تسليط الضوء على معاناة المواطن البسيط:
ذلك الشاب الذي يقف يوميًا على هامش الحياة، بين مطرقة البطالة وسندان الإقصاء،
وتلك الأسرة التي ترزح تحت وطأة الغلاء، في ظل خدمات صحية وتعليمية لا ترقى إلى الحد الأدنى،
وذلك المواطن الذي يواجه إدارة مثقلة بالمحسوبية والقبلية، حيث تُقاس الفرص بالانتماء لا بالكفاءة.
إن اختزال كل هذه القضايا في خطاب غاضب يفتقر إلى العمق، لا يخدم قضية الإصلاح، بل يفرغها من محتواها، ويحولها إلى مجرد ضجيج عابر.
الأخطر من ذلك، أن هذا النوع من الخطاب قد يمنح السلطة فرصة للتهرب من النقد الحقيقي، عبر التركيز على الشكل بدل المضمون، وتحويل النقاش من قضايا الفساد وسوء التسيير، إلى جدل حول الأخلاق والذوق العام.
الفن الحقيقي لا يساوم على رسالته، ولا ينزلق إلى مستوى الإساءة، حتى وهو في أشد حالات الغضب. بل يظل وفيًا لدوره في الإضاءة، والتنوير، والدفع نحو التغيير.
لقد قدمت فرقة “أولاد لبلاد” في السابق نماذج فنية راقية، حملت هموم الناس بصدق، وتركت بصمة في الوعي الجمعي. وهو ما يجعل من حق جمهورها أن يطالبها اليوم بالعودة إلى ذلك الخط، حيث الكلمة المسؤولة، والرسالة الواضحة، والفن الذي يخدم المواطن والوطن.
في النهاية، تبقى المعركة الحقيقية ليست بين فنان وسلطة، بل بين وعي وزيف، بين خطاب يرفع منسوب الإدراك، وآخر يهبط به. وبين هذا وذاك، يظل المواطن البسيط هو الخاسر الأكبر، إن لم يجد من يعبر عنه بصدق، ويدافع عن قضاياه بوعي ومسؤولية.






