مقالات

كيف أصبح التخلف عقيدة جماعية والعجز أسلوب حياة؟!

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله
صحفي ، وكاتب
medabd388@gmail

إذا كانت مأساة المجتمعات المتأخرة في الفقر وحده، فالفقر يمكن مقاومته، وكذالك ضعف الموارد، فكم من أمم نهضت من الرماد. المأساة الحقيقية تبدأ حين يتحول التخلف نفسه إلى “قناعة جماعية”، وحين يصبح الدفاع عن أسباب الانهيار نوعًا من التدين الاجتماعي أو الوفاء للهوية أو حماية التقاليد. هنا يدخل المجتمع مرحلة أخطر من التخلف المادي: مرحلة شلل العقل الجمعي.
في موريتانيا، تبدو الأزمة أعمق من مجرد اختلال اقتصادي أو ضعف تنموي؛ إنها أزمة وعي حضاري متراكمة، جعلت قطاعات واسعة من المجتمع تتعايش مع الرداءة حتى ألفتها، بل وأصبحت تحتفي بها أحيانا باعتبارها جزءا من “الأصالة”. وهكذا يتحول ما كان يفترض أن يكون موضع نقد ومراجعة إلى رمز للفخر والانتماء.
المشكلة ليست في اللباس التقليدي، ولا في البداوة باعتبارها جزءًا من التاريخ والثقافة؛ فلكل أمة تراثها الخاص. لكن الكارثة تبدأ عندما تستخدم التقاليد كذريعة لرفض التغيير، أو حين يصبح الكسل فضيلة اجتماعية، والاتكالية أسلوب حياة، والعمل المنتج أمرا ثانويا ، بينما يمنح أصحاب المظاهر الفارغة مكانة تفوق أصحاب الكفاءة والمعرفة.
إن العقل الجمعي المأزوم لا يخاف الفقر بقدر ما يخاف النقد. ولذلك كثيرًا ما تقابل أي محاولة للتشخيص أو المراجعة بالاتهامات والتعصب، لا لأن الكلام خاطئ بالضرورة، بل لأن المجتمع اعتاد الهروب من مواجهة نفسه. فبدل الاعتراف بالأعطاب البنيوية في التعليم، والثقافة، والإدارة، والعلاقات الاجتماعية، يفضل البعض الاحتماء بالشعارات العاطفية وتمجيد الذات بصورة مبالغ فيها، وكأن الإنكار قادر على تغيير الواقع.
ومن أخطر ما يصيب المجتمعات المتخلفة أنها تفقد حساسيتها تجاه القبح العام. تتعايش مع الفوضى، والأوساخ، وسوء الخدمات، والفساد، والبطالة، وكأنها أشياء طبيعية. ومع مرور الوقت ينشأ جيل جديد لا يرى في الانهيار شيئا صادما ، لأنه ولد داخله، فيصبح الخراب جزءا من المشهد اليومي المألوف.
كما أن أزمة موريتانيا ليست أزمة دولة فقط، بل أزمة مجتمع أيضا. فالنظام السياسي، مهما كان فاسدا أو فاشلا لا ينبت في الفراغ؛ بل يجد دائما بيئة اجتماعية تسمح له بالاستمرار: ثقافة التملق، والخضوع للنفوذ القبلي، واحتقار الكفاءة، والخوف من المواجهة، وتقديس الأشخاص بدل احترام المؤسسات.
ولهذا فإن أي مشروع نهضة حقيقي لن يبدأ من تغيير الوجوه السياسية فقط، بل من إعادة بناء الإنسان الموريتاني نفسيا وثقافيا ومعرفيا. يبدأ من تحرير العقل من الخرافة الاجتماعية، ومن عقلية الاستسلام، ومن وهم التفوق الوهمي الذي يخفي داخله هشاشة عميقة.
الأمم لا تتقدم لأنها تملك الثروات فقط، بل لأنها تمتلك شجاعة الاعتراف بأخطائها. والنهضة لا تولد من المديح المستمر للذات، بل من النقد الصادق والقاسي أحيانا. فالمجتمع الذي يرفض رؤية عيوبه محكوم عليه بإعادة إنتاجها إلى ما لا نهاية.
وربما كانت المأساة الكبرى أن كثيرين ما يزالون يخلطون بين الكرامة والإنكار؛ بينما الحقيقة أن أول خطوة نحو الكرامة هي الاعتراف بأن هناك خللا عميقا يجب إصلاحه، لا تجميله بالكلمات والشعارات.

زر الذهاب إلى الأعلى