من القانون إلى الواقع…لماذا لم يلغ الرق فعليا؟

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله
صحفي وكاتب مهتم بالشأن الاجتماعي والحقوقي
medabd388@gmail
أصدر الحاكم العام لإفريقيا الغربية الفرنسية سنة 1905 تعليمات تؤكد منع تجارة الرقيق وعدم الاعتراف بالملكية البشرية، إلا أن الإدارة الفرنسية في موريتانيا وجدت نفسها أمام مجتمع كانت فيه علاقات التبعية والاستعباد متجذرة اقتصاديا واجتماعيا. لذلك فضلت اعتماد سياسة “التدرج” بدل المواجهة المباشرة مع الزعامات القبلية والدينية.التي كانت من أبرز ملاك العبيد في تلك الفترة.
وتشير الدراسات التاريخية إلى أن الإدارة الفرنسية كانت تخشى أن يؤدي التحرير الجماعي للعبيد إلى اضطرابات واسعة النطاق ،أو إلى فقدان دعم القوى المحلية التي اعتمدت عليها في بسط نفوذها داخل البلاد.
● سياسة «عدم الصدام»
تكشف التقارير الإدارية خلال العقدين الأولين من الاحتلال أن السلطات الفرنسية ركزت على:
منع أسواق بيع العبيد العلنية.
▪︎ الحد من الاتجار عبر الحدود.
▪︎ تشجيع الراغبين في مغادرة أسيادهم دون فرض تحرير جماعي بالقوة.
▪︎ تجنب معاقبة كبار ملاك العبيد إذا كان ذلك قد يهدد الأمن المحلي.
وبذلك تحولت قضية الرق من ملف قانوني إلى قضية سياسية تحكمها اعتبارات المصلحة المتبادلة بين الاستعباديين والفرنسيين والاستقرار أكثر من اعتبارات العدالة !
▪︎ بين 1920 و1935… استمرار الظاهرة
بحلول عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، كانت الإدارة الفرنسية تدرك أن الرق لم يختف، بل تغيرت أشكاله. فقد استمرت علاقات التبعية والعمل القسري في مناطق عديدة، بينما اكتفت الإدارة بالمراقبة والتدخل في الحالات التي رأت أنها تمثل تهديدا مباشرا للنظام العام.
ويرى عدد من المؤرخين أن فرنسا لم ترد الدخول في مواجهة مع البنية الاجتماعية التقليدية، لأن ذلك كان سيكلفها موارد عسكرية وإدارية كبيرة، ويهدد مشروعها الاستعماري في موريتانيا.
▪︎ قراءة تاريخية
تكشف هذه المرحلة أن الاستعمار الفرنسي لم يكن صاحب سياسة واحدة تجاه الرق؛ فقد أعلن رفضه قانونيا، لكنه تعامل معه عمليا بقدر كبير من “البراغماتية”. لذلك فإن فهم تاريخ الرق في موريتانيا يقتضي دراسة مسؤولية مختلف الفاعلين: البنى الاجتماعية المحلية، والسياسات الاستعمارية، والظروف الاقتصادية التي سمحت باستمرار هذه الممارسات لعقود دون أن تختفي ودون أن تجد حلا نهائيا.فحسب المنظمات الحقوقية المختصة والنشطاء لاتزال تلك الظاهرة المشينة تلقي بظلالها علي حاضر ومستقبل البلاد.





