أخبار وطنية

القنوات الأجنبية والمسؤولين .. أزمة ثقة بين السلطة والإعلام المحلي

في كل مرة يظهر فيها مسؤول موريتاني” رفيع” على شاشة قناة أجنبية، تتجدد الأسئلة القديمة حول علاقة السلطة بالإعلام الوطني، وحول مكانة الصحافة المحلية في حسابات صناع القرار. آخر هذه الإطلالات كانت مقابلة الوزير الأول ولد أجاي مع قناة “سكاي عربية”، والتي بدت في مضمونها وأسلوبها قريبة إلى حدّ كبير من مقابلة سابقة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مع قناة “فرانس 24” قبل سنوات. مقابلات وُصفت على نطاق واسع بأنها لم تكن موفقة لا في الرسائل ولا في الأداء ولا في قدرتها على تبديد المخاوف وطمأنة الرأي العام.
لا يكمن الإشكال في اختيار منبر إعلامي دولي في حد ذاته، فالتواصل مع الخارج جزء طبيعي من الدبلوماسية الإعلامية لأي دولة. الإشكال الحقيقي هو أن هذا الخيار بات، في نظر كثيرين، بديلاً عن الإعلام المحلي لا مكمّلاً له. وكأن المسؤول الموريتاني يفضّل مخاطبة العالم عبر كاميرات أجنبية، بينما يتجنب مواجهة أسئلة الصحفيين الموريتانيين على شاشاتهم الوطنية ومنصاتهم المحلية.
هذا السلوك يطرح أكثر من علامة استفهام:
هل المشكلة في الإعلام المحلي أم في طبيعة الأسئلة التي قد يطرحها؟
هل تخشى السلطة نقاشًا مباشرًا حول القضايا اليومية التي تهم المواطن: الغلاء، البطالة، الخدمات، الحريات، الفساد، والحكامة؟
أم أن الأمر مجرد عقلية قديمة ما زالت ترى في الإعلام الوطني “عبئًا” بدل اعتباره شريكًا في بناء الثقة وتعزيز الشفافية؟
المفارقة أن تجارب سابقة أظهرت أن الانفتاح على الإعلام المحلي ليس مستحيلاً. فقد اعتاد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، رغم كل ما يُؤخذ على تجربته السياسية، الظهور في حوارات مباشرة على شاشة التلفزيون الوطني، ومواجهة أسئلة الصحفيين الموريتانيين على الهواء. كان ذلك يمنح الرأي العام، ولو شكليًا، إحساسًا بأن هناك تواصلاً مباشرًا بين الحاكم والمحكوم، وأن رئيس الدولة لا يضع مسافة زجاجية بينه وبين الكاميرا الوطنية.
اليوم، يبدو أن هذه المسافة عادت للاتساع. فغياب المقابلات المباشرة مع الإعلام المحلي لا يُفسَّر فقط كخيار بروتوكولي، بل يُقرأ سياسيًا باعتباره مؤشراً على ضعف الثقة، أو على الأقل ضعف الرغبة في الانخراط في نقاش داخلي مفتوح. وهو أمر لا يخدم صورة السلطة ولا يعزز من مصداقية خطابها، خاصة في سياق تتزايد فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وتتوسع فيه مساحة النقد على وسائل التواصل الاجتماعي خارج أي إطار مهني أو مؤسساتي.
إن نزول الرئيس والمسؤولين الكبار من “البرج العاجي” إلى فضاء الإعلام الوطني ليس منّة ولا تفضلاً، بل هو جزء من أبسط حقوق المواطنين في المساءلة والمعرفة. فالكاميرا الوطنية ليست أقل شرعية من الكاميرا الأجنبية، والصحفي الموريتاني ليس أقل مهنية من زميله في القنوات الدولية. بل لعل أسئلته تكون أصدق تمثيلاً لهموم الناس اليومية، لأنها نابعة من نفس الواقع الذي يعيشه المواطن البسيط.
في النهاية، لا تُبنى الثقة بين السلطة والشعب عبر رسائل مصقولة تُبث من عواصم أو شاشات بعيدة، بل عبر حوار مباشر، شجاع، وشفاف داخل البيت الوطني. وربما آن الأوان لإعادة الاعتبار للإعلام المحلي بوصفه شريكًا في الإصلاح لا خصمًا ينبغي تفاديه.

زر الذهاب إلى الأعلى