ثقافة

حين يهاجر الضوء نحو الصحراء!

محمد عبد الرحمن ولد عبد الله

– كاتب صحفي، نواكشوط

medabd388@gmail.com

 

في وقت تتزاحم فيه طوابير الموريتانيين على مكاتب الهجرة والسفارات، حاملين أحلامهم نحو “الضفة الأخرى”، اختار مصور إيطالي شهير الاتجاه المعاكس تماما. ترك خلفه أضواء الموضة في ميلانو وباريس، وضجيج الكاميرات في شوارع نيويورك، ليقيم اليوم على تخوم الصحراء الموريتانية، حيث السكون لغة، والنور لا يحتاج إلى عدسة لتجميله.

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى نوعا من الجنون أو الغرابة:

ما الذي يدفع رجلا عاش بين نجمات السينما ومجلات الأزياء إلى الاستقرار في بلدٍ يحلم أبناؤه بالرحيل منه؟!
لكن الحقيقة أعمق من المفارقة. فالمصور الإيطالي لم يأتِ بحثا عن مغامرة جغرافية، بل عن مغزى روحي. جاء هاربا من المدن المتخمة بالسرعة، المرهقة بالضجيج، إلى فضاءٍ يسمح له بأن يرى النور كما هو: نقيا، حرا، بلا فلاتر ولا ضوضاء.

في موريتانيا، اكتشف الرجل أن الصمت أصدق من أي ضوء صناعي، وأن وجوه الناس هنا تحمل بساطة الصورة الأولى قبل أن تفسدها التجميلات الرقمية!
بالنسبة إليه، لم تكن الصحراء منفى، بل ملاذا من فائض العالم؛ عالم أرهقته الكثرة وفقد المعنى. هنا، حيث الوقت لا يقاس بالساعات الذكية، بل بإيقاع الشمس وظلالها، وجد ما كان يبحث عنه: الطمأنينة والصدق.

● المفارقة مدهشة بحق:

حين هاجرهذا المصور الإيطالي العالمي، من اضوء عواصم الموضة العالمية الى صحراء موريتانيا  لم يكن يهرب من العالم… بل كان يعود إلى ذاته.
وهكذا، تصبح موريتانيا – في عيون من يعرف كيف يرى – قصيدة ضوء هادئ بعد تعب المدن الصاخبة.

المفارقة، في النهاية، ليست غريبة كما تبدو:

فالموريتاني قد يرى في أوروبا خلاصا من شظف العيش، بينما قد يجد الأوروبي في موريتانيا خلاصا من شظف آخر؛ شظف الروح التي أرهقتها المدن، وأثقلتها السرعة، وضجيج الحياة.
كل منا يبحث عن مكان يظن أن شيئا ما ينقصه ينتظره فيه. غير أن الحياة لا تمنحنا دائما ما نبحث عنه؛ أحيانا تمنحنا ما كنا نجهل أننا نفتقده!
ولعل الإيطالي الذي اختار الصحراء لم يكن يهرب من العالم، بقدر ما كان يهرب إلى نفسه؛ إلى الصمت، والبساطة، واتساع الأفق، وإلى ذلك الضوء الصحراوي الذي لا يبهر العين بقدر ما يلامس القلب.
وهكذا تبدو موريتانيا لمن يعرف كيف يراها: ليست أرضا فقيرة تنتظر من ينقذها، ولا مجرد صحراءٍ عابرة، بل وطن يمنح الزائر شيئا نادرا؛ مساحة للروح كي تتنفس، ووقتا للإنسان كي يسمع نفسه من جديد.

زر الذهاب إلى الأعلى