زيارة بلا صدى… كيف أضاع غزواني فرصة صناعة صورة دولية جديدة لموريتانيا؟!
محمدعبدالرحمن ولد عبدالله
صحفي ، وكاتب
medabd388@gmail
في عالم تُدار فيه السياسة بقدر ما تُدار بالكاميرات كما بالقرارات، لم تعد الزيارات الرسمية مجرد لقاءات بروتوكولية، بل تحولت إلى منصات استراتيجية لإعادة تشكيل الصورة الذهنية للدول وقادتها. ومن هذا المنظور، تبدو زيارة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى فرنسا فرصة سياسية وإعلامية كبرى… لكنها، في المحصلة، بدت أقرب إلى حدث باهت لم يُستثمر كما ينبغي.
● غياب السردية… حين تخسر الدولة معركة الصورة
نجاح أي زيارة رئاسية لا يُقاس فقط بما يتم توقيعه من اتفاقيات، بل أيضًا بقدرة الدولة على بناء “سردية إعلامية” قوية تُقنع الداخل وتؤثر في الخارج. غير أن ما طبع هذه الزيارة هو غياب واضح لهذا البعد:
لم نشهد مقابلات إعلامية وازنة، ولا حضورًا لافتًا في الصحافة الفرنسية، ولا حتى حملة رقمية فعالة تشرح أهداف الزيارة ونتائجها.
في المقابل، كانت الرواية الرسمية خجولة، مقتضبة، وأقرب إلى بيانات إدارية منها إلى خطاب سياسي موجّه. وهنا تحديدًا تكمن إحدى أبرز نقاط الإخفاق: ترك المجال فارغًا، ليُملأ إما بالتأويلات أو بالانتقادات.
● العلاقات العامة… الحلقة الأضعف
في زمن “الدبلوماسية الناعمة”، لم يعد كافيًا أن تلتقي الرؤساء، بل يجب أن “تُرى” هذه اللقاءات، وتُحكى قصتها، وتُسوّق نتائجها.
لكن ما حدث هو العكس تمامًا:
▪︎ غياب استراتيجية واضحة للتواصل الإعلامي قبل وأثناء وبعد الزيارة
▪︎ ضعف التغطية الدولية مقارنة بأهمية الحدث
▪︎ غياب التفاعل الرقمي المؤثر، خاصة عبر المنصات التي تصنع الرأي العام
وهنا يظهر الخلل البنيوي في إدارة العلاقات العامة للدولة، التي لا تزال تتعامل مع الإعلام كملحق، لا كأداة سيادية موازية للدبلوماسية.
● فرصة ضائعة في سياق دولي حساس
تأتي هذه الزيارة في سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد:
تحولات في منطقة الساحل، تراجع النفوذ التقليدي لـفرنسا، وصعود فاعلين جدد.
وكان يمكن لموريتانيا أن تقدم نفسها كشريك مستقر وموثوق، ونموذج مختلف في منطقة مضطربة.
لكن هذا الطرح لم يُبنَ إعلاميًا، ولم يُقدّم بشكل مقنع للرأي العام الدولي، ما جعل الزيارة تمر دون أن تُحدث الأثر المتوقع.
● الداخل… حين يسبق المدونون السياسيين
الأكثر لفتًا للانتباه أن من تكفّل بتحليل الزيارة وتفكيكها ليس الاعلاميين المهنيين ولا المحللين السياسيين بل المدونون ونشطاء التواصل الإجتماعي من العوام وعديمي الأهليه والخبرة.
في المقابل، بدت المعارضة في حالة صمت شبه تام، وهو صمت لا يمكن تفسيره فقط بضعف الإمكانيات، بل يعكس خللًا أعمق في فهم الدور السياسي.
هذا الفراغ سمح للرواية الرسمية بالمرور دون مساءلة حقيقية، لكنه أيضًا كشف هشاشة المشهد السياسي ككل: سلطة لا تُتقن التسويق، ومعارضة لا تُتقن الاستغلال.
● أزمة إدارة لا أزمة حدث ؟!
المشكلة، في جوهرها، لا تتعلق بالزيارة في حد ذاتها، بل بطريقة إدارتها.
فحتى أفضل الفرص يمكن أن تتحول إلى إخفاق إذا غابت الرؤية الاتصالية، وخبرة العلاقات العامة، وإذا لم تُفهم السياسة بوصفها أيضًا “صناعة صورة”.
لقد كان بإمكان هذه الزيارة أن:
▪︎ تعزز صورة موريتانيا دوليًا
▪︎ تجذب اهتمام المستثمرين
▪︎ تعيد تموضع البلاد في المشهد الإقليمي
لكن كل ذلك تراجع أمام ضعف الإخراج الإعلامي وغياب التخطيط الاتصالي.
● دولة بلا صوت إعلامي فعال،
في النهاية، تطرح هذه الزيارة سؤالًا مقلقًا:
كيف لدولة أن تسعى لحجز مكان في العالم، وهي عاجزة عن رواية قصتها بنفسها؟
إن ما حدث ليس مجرد إخفاق عابر، بل مؤشر على أزمة أعمق في فهم أدوات القوة الحديثة، حيث لم تعد الدول تُقاس فقط بما تملك، بل بما تستطيع إقناع الآخرين به.
وفي هذا الميزان تحديدًا، تبدو موريتانيا—حتى الآن—دولة تحضر سياسيًا… لكنها تغيب من ناحية الإعلام والعلاقات العامة.



