ثقافة

ممر أمگجار.. شريان الحضارة بين شنقيط وأطار

محمدعبدالرحمن ول عبدالله
كاتب صحفي، انواكشوط

medabd388@gmail.com

 

 

 

●  جغرافيا تختزن ذاكرة التاريخ…

في قلب تضاريس ولاية آدرار الموريتانيةالعريقة ، يمتد ممر أمگجار كشريان قديم كان يربط بين مدينتي شنقيط وأطار، وهو اليوم شاهد جيولوجي وتاريخي على عبقرية الإنسان القديم، وتنوع موريتانيا الطبيعي والثقافي.

يحتوي هذا الممر الجبلي على ثاني أعلى نقطة في البلاد، بارتفاع يصل إلى 850 مترا فوق مستوى سطح البحر، ما يجعل منه مقصدا مثاليا لهواة الترحال والمغامرة ومحبي الطبيعة الصخرية القاسية والخلابة في آنٍ معا.

● حصن سينمائي في قلب الصحراء

يشتهر الممر باحتوائه على موقع تصوير الفيلم العالمي Fort Saganne (فورت ساجان)، الذي صور عام 1984، من بطولة النجم الفرنسي جيرار ديبارديو، وجسد مشاهد من الاستعمار الفرنسي في الساحل الإفريقي. لا تزال بقايا الحصن السينمائي قائمة، وتعد معلما فنيا وسينمائيا نادرا في عمق الصحراء الموريتانية.

●  أكرور.. الرسومات التي تحدثت قبل 4000 سنة

عند نهاية وادي أمگجار، يطل الزائر على لوحات صخرية مدهشة تعرف بـ”أكرور”، اكتشفها عالم الجيولوجيا والأنثروبولوجيا الفرنسي تيودور مونود سنة 1936، وهي تمثل مشاهد من حياة الإنسان القديم في هذه المنطقة، ويقدر تاريخها بنحو 2000 سنة قبل الميلاد.

تظهر هذه الرسوم حيوانات وأشخاصا وأدوات منزلية، مما يدل على أن هذا الوادي كان مسكونا ذات يوم، ومركزا لنشاط بشري وفني غني، في وقت كانت فيه الصحراء أكثر خضرة وحيوية.

●  كنز سياحي ينتظر الاهتمام

رغم القيمة الأثرية والجغرافية لهذا الموقع، لا يزال ممر أمگجار بعيدا عن خارطة الترويج السياحي الرسمي، ويواجه خطر الإهمال الطبيعي والبشري. فالموقع بحاجة إلى تأهيل بنيته السياحية، وتوفير لافتات إرشادية، وحمايته من العبث و التآكل، ليصبح وجهة مميزة لعشاق التراث والمغامرة والجيولوجيا.

●  دعوة لاكتشاف الذات في عمق التاريخ

في أمگجار تتجاور الطبيعة والتاريخ في مشهد واحد؛ فالنقوش والرسوم الصخرية لا تستمد قيمتها من قدمها فحسب، وإنما من كونها شهادات إنسانية نادرة على حضور بشر عاشوا في هذه الأرض، وتأقلموا مع قسوتها، وتركوا لنا شيئا من رؤيتهم للعالم قبل أن تطويهم القرون. ولهذا فإن حماية أمگجار ليست ترفا سياحيا، بل مسؤولية ثقافية وعلمية تجاه ذاكرة وطن بأكمله.
إنها واحدة من الكنوز التي ما تزال تختبئ في أعماق موريتانيا، تنتظر أن تقرأ لا أن ترى فقط، وأن تدرس لا أن تستهلك في صورة عابرة. وما تحتاجه أمگجار ليس مجرد التعريف بها، وإنما تحتاج مشروعا متكاملا لحمايتها وتوثيقها وتأهيلها، حتى تصبح جزءا من الذاكرة الوطنية ومن خريطة التراث الإنساني العالمي.
ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به عند أمگجار أن نستعيد شيئا من لغة الأسلاف:

قفا نبكِ من ذكرى مكان وأثر؛ غير أن الوقوف هنا ليس بكاء على أطلال اندثرت، بل إصغاء إلى أطلال ما زالت تتنفس تحت غبار النسيان وعاديات الزمن. نمر بين الصخور، فيتخيل إلينا أن المكان يسألنا:

ماذا ستتركون أنتم بعد الرحيل؟ وربما كانت تلك هي الرسالة الأعمق التي تمنحها الصحراء للإنسان: أن كل عابرٍ يمضي، وأن الحجر وحده قد يبقى شاهدا؛ فلنحفظ الشاهد قبل أن تأكله الريح، ولنحفظ الحكاية قبل أن يصمت آخر من يقرأها.

زر الذهاب إلى الأعلى