أزوكِي… كنوز تاريخية مغيبة عن المتحف الوطني الموريتاني

ولاية أدرار ،موريتانيا –
على بعد ساعات قليلة شمال شرق مدينة أطار في صحراء موريتانيا الشاسعة، يكشف موقع أزوكِي الأثري عن أسرار تاريخية غنية تعود إلى العصور الوسطى، وتشهد على دور المنطقة كمركز تجاري وثقافي مهم في تاريخ غرب إفريقيا.
كشف الباحثون الفرنسيون خلال التنقيبات الأخيرة، التي استؤنفت في عام 2025 ضمن برنامج MAAT بعد توقف طويل، عن قلعة مبنية بالحجر الجاف تضم أسوارًا ومقاسم دقيقة، تعكس تطور الاستيطان والتوسع العمراني على مدى قرون. كما أظهرت الحفريات وجود أطلال تجارة عبر الصحراء تشمل فخارًا مستوردًا من المغرب، وزجاجًا يعود إلى الأندلس والشرق الأوسط، مما يؤكد مكانة أزوكِي كمحور للتبادل التجاري بين شمال إفريقيا والصحراء الكبرى.
لكن ما يثير الدهشة هو اكتشاف دنانير المرابطين، أول الشواهد النقدية في المنطقة، والتي ترمز إلى غنى أزوكِي الاقتصادي ودورها في الإمبراطورية المرابطية. إلى جانب ذلك، تم العثور على إنتاج فخاري محلي غني ومتميز تقنيًا وجماليًا، ربما كان يُوزّع إقليميًا، بالإضافة إلى قبور لشخصيات دينية بارزة مثل الإمام الحضرمي المرادي، وهو فقيه مهم في التاريخ الإسلامي المحلي وقاضي دولة المرابطين التي انطلقت من صحراء موريتانيا لتحكم دول المغرب العربي وغرب إفريقيا واسبانيا والبرتغال وجنوب فرنسا أنها دولة المرابطين ذات الأثر الكبير في تا يخ المنطقة برمتها.
● لكن السؤال هنا لماذا لا تُعرض هذه القطع في المتحف الوطني؟
رغم أهمية الاكتشافات، إلا أن العديد من هذه القطع، ومنها دنانير المرابطين وبعض الفخار والزجاج المستورد، لم تُعرض بعد في المتحف الوطني الموريتاني. ويرى خبراء آثار موريتانيون وفرنسيون أن ذلك يعود إلى عدة عوامل:
نقص الترميم والحفظ: بعض القطع تحتاج إلى إجراءات ترميم معقدة قبل عرضها بشكل آمن.
الإمكانات المحدودة للمتحف: المتحف الوطني يواجه تحديات في استيعاب القطع الأثرية الكبيرة والمتنوعة.
أولويات التوثيق العلمي: الباحثون يفضلون أحيانًا دراسة القطع وتحليلها بشكل كامل قبل عرضها للجمهور، لضمان فهم دقيق لتاريخها وأهميتها.
اعتبارات أمنية: حماية القطع من السرقة أو التلف أثناء النقل أو العرض.
● أزوكِي… عاصمة مرابطية ومرشحة للتراث العالمي
تشير الدراسات التاريخية، ومنها ما ذكره المؤرخ البكري في القرن الحادي عشر، إلى أن أزوكِي كانت أول عاصمة لإمبراطورية المرابطين في المنطقة، ما يمنحها قيمة سياسية وثقافية كبيرة. وقد أدرجت ضمن القائمة الإرشادية للتراث العالمي لليونسكو منذ عام 2001، وهو ما يعكس أهميتها على الصعيد الإقليمي والعالمي.
البرنامج الأثري الجديد يسعى إلى تعزيز حماية الموقع الأثري وإتاحة المزيد من الاكتشافات للجمهور المحلي والدولي، بينما ينتظر الباحثون أن تتيح الخطط المستقبلية عرضًا أوسع للقطع في المتحف الوطني، بما في ذلك دنانير المرابطين والفخار المستورد والمحلي، لتصبح أزوكِي نافذة على التاريخ الموريتاني المجهول نسبيًا.
●ختامًا، أزوكِي ليست مجرد أطلال حجرية في صحراء موريتانيا، بل شاهد حي على التاريخ الاقتصادي والثقافي والديني للإمبراطورية المرابطية، ويأمل المهتمون أن تتحول اكتشافاتها قريبًا إلى معرض دائم يعرض للعالم إرث موريتانيا الغني.






