مقالات

دولة الوساطة والقبيلة… سقوط الإدارة في مستنقع المحسوبية

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله

صحفي وكاتب

medabd388@gmail.com

 

في موريتانيا، لم تعد الإدارة العمومية فضاء لخدمة المواطن، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى متاهة مهينة، تختبر فيها كرامة الناس قبل معالجة ملفاتهم. فالمواطن الذي يدخل مرفقا حكوميا لا يبحث فقط عن توقيع أو وثيقة، بل يدخل معركة يومية ضد التعالي، والمحسوبية، واللامبالاة، والفساد الإداري المتجذر.
تبدأ رحلة الإهانة من الباب: حارس يتعامل مع المواطنين وكأنهم متسولون، وسكرتيرة تمارس الانتقاء على أساس “من تعرف”، وكاتب يزدري الناس بنظرات الاحتقار، ثم مسؤول مباشر يعتبر نفسه فوق القانون وفوق المحاسبة. أما الوزراء وكبار المسؤولين فقد أحاطوا أنفسهم بجدران من العزلة والحراسات والأبواب المغلقة، حتى أصبح الوصول إليهم امتيازا  تمنحه الوساطات القبلية والعلاقات الشخصية، لا حقا  إداريا يكفله الدستور للمواطن.
لقد انهارت فكرة “المرفق العمومي” وتحولت الإدارات إلى إقطاعيات صغيرة، يديرها مسؤولون بعقلية الغنيمة لا بعقلية الخدمة العامة. فالرسائل الرسمية تهمل، والمراسلات تركن في الأدراج، والمشاريع تسرق، والأفكار تنهب، ثم تمنح لمقربين من أصحاب النفوذ، بينما يترك أصحاب الكفاءات الحقيقيون خلف الأبواب المغلقة، يطاردون السراب.
ويتحدث كثيرون اليوم عن شبكات منظمة لسرقة المبادرات والأفكار داخل بعض الوزارات والمؤسسات، حيث تستقبل مقترحات الشباب والنخب، ثم يعاد تدويرها عبر سماسرة الصفقات والمقربين من مراكز القرار. وهكذا تتحول الدولة من راعية للكفاءات إلى أداة لسحقها وتجفيف منابع الإبداع فيها.
أما أصحاب الشكاوى والمظالم، فهم الضحايا الدائمون لهذا الخراب الإداري. ينتقلون من مكتب إلى آخر، ومن مسؤول إلى آخر، دون أن يجدوا من ينصفهم أو حتى يصغي إليهم. فالإدارة التي يفترض أن تحمي المواطن أصبحت عبئا عليه، ومصدرا لإذلاله النفسي والاجتماعي.
الأخطر من ذلك أن الفساد الإداري في موريتانيا لم يعد مجرد رشوة أو محسوبية عابرة، بل أصبح منظومة حكم متكاملة تقوم على الولاءات الضيقة، والانتماءات الاجتما عية، والمحاصصة القبلية والعرقية، وتبادل المصالح بين شبكات النفوذ. فالكفاءة لم تعد معيارا للتوظيف أو الترقية، وإنما القرابة والولاء والجهة والقبيلة. وهكذا جرى تفريغ الدولة من مضمونها الوطني وتحويل مؤسساتها إلى ساحات لتقاسم النفوذ والغنائم.
وفي ظل هذه المقاربات المتخلفة، تعطلت مصالح الناس، وضاعت فرص التنمية، وتراجعت الثقة بين المواطن والدولة. فأي استثمار يمكن أن ينجح في بيئة إدارية يغيب عنها الانضباط والمحاسبة؟ وأي تنمية يمكن أن تتحقق في ظل مسؤول لا يداوم في مكتبه، ولا يرد على المراسلات، ويعتبر توقيعه منحة شخصية لا واجبا  وظيفيا؟
لقد أصبحت بعض الوزارات أشبه بقلاع مغلقة، يعيش مسؤولوها في عزلة تامة عن واقع المواطنين، بينما يقضي الناس أياما وأسابيع واحيانا اشهر، في انتظار ختم أو توقيع أو رد على رسالة. بل إن بعض المسؤولين لا يكلفون أنفسهم حتى عناء الاطلاع على البريد الإداري، لأن ثقافة الإفلات من العقاب جعلتهم يدركون أن لا أحد سيحاسبهم مهما بلغ حجم التقصير.
والمفارقة المؤلمة أن المواطن بات يرى الوصول إلى رئيس الجمهورية أسهل من الوصول إلى مدير مركزي أو أمين عام وزارة. ومع ذلك، فإن كثيرا من التوجيهات والتعليمات الصادرة من أعلى هرم السلطة تدفن في دهاليز البيروقراطية، أو تفرغ من مضمونها، أو يتم الالتفاف عليها لخدمة شبكات المصالح داخل الإدارة.
إن الأزمة الحقيقية ليست فقط في سوء سلوك بعض المسؤولين، بل في غياب دولة المؤسسات والمحاسبة. فحين يشعر المسؤول أن منصبه محصن بالقبيلة أو النفوذ أو العلاقات السياسية، فإنه يتحول تلقائيا إلى سلطة متعالية لا ترى في المواطن سوى رقم مهمل أو عبء ثقيل.
لقد ساهمت البيروقراطية الفاسدة في تبديد فرص هائلة كان يمكن أن تغيّر وجه البلاد. ضاعت الاستثمارات، وهجرت الكفاءات، وانهارت الثقة في الإدارة، وتعمق الشعور بالظلم والتهميش، بينما يستمر خطاب رسمي يتحدث عن الإصلاح والحكامة الرشيدة في وقت تصفع فيه الإدارات المواطن كل يوم بحقيقة مختلفة تمامًا.
إن الدولة التي تدار بالمحسوبية والزبونية والولاءات الضيقة لا يمكن أن تبني تنمية حقيقية، ولا عدالة اجتماعية، ولا مؤسسات محترمة. فالتخلف ليس قدرا  جغرافيا، بل نتيجة مباشرة لسياسات فاشلة وعقليات متحجرة حولت الإدارة من أداة لخدمة الشعب إلى وسيلة لإذلاله وإقصائه.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحا: كيف يمكن الحديث عن دولة قانون ومواطنة، بينما الرسالة التي يتلقاها المواطن يوميًا داخل الإدارة هي: “أنت مجرد مواطن… لماذا جئت بلا وساطة؟!”

زر الذهاب إلى الأعلى