مقالات

الاستعباد في موريتانيا: حين تنتهي القضايا في المحاكم… وتبدأ الأسئلة في المجتمع

 

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله

صحفي وكاتب , انواكشوط

medabd388@gmail..com

في كل مرة تعلن فيها السلطات القضائية في موريتانيا حفظ ملف مرتبط بالاستعباد أو استغلال القُصَّر، يعود الجدل القديم إلى الواجهة: هل انتهت الجريمة فعلًا، أم أن ما انتهى هو فقط مسارها القانوني؟
قرار النيابة العامة لدى المحكمة المتخصصة في محاربة العبودية والاتجار بالأشخاص بحفظ المسطرة المتعلقة ببلاغ تقدمت به مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية (إيرا) بشأن طفلة قاصر في نواكشوط الشمالية أعاد فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في البلاد: ملف الاستعباد ومخلّفاته الاجتماعية التي ما تزال تعيش خارج الأحكام القضائية.
فالنيابة تحدثت بلغة القانون: انتفاء أركان الجريمة، غياب الاستغلال، إقامة الطفلة لدى أسرة بطلب من والدتها، وتكفلها بالتعليم والإعالة.
لكن المنظمات الحقوقية قرأت القضية من زاوية مختلفة تمامًا: واقع اجتماعي هش يسمح بتحول “التضامن الأسري” أحيانًا إلى علاقة تبعية غير متكافئة.
وهنا تبدأ المعضلة.

● الاستعباد الذي تغيّر شكله
لم يعد الاستعباد في موريتانيا — كما تؤكد تقارير حقوقية — يظهر في صورته التاريخية الصريحة. لم تعد هناك قيود مرئية أو إعلان صريح للملكية البشرية، بل تحوّل إلى أنماط أكثر تعقيدًا، تختلط فيها التقاليد بالفقر والحاجة.
تقارير صادرة عن هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية تشير إلى أن بعض الحالات المصنفة اجتماعيًا كـ“كفالة” أو “تربية طفل لدى أسرة أخرى” قد تنتهي عمليًا إلى:
▪︎ تشغيل أطفال في الخدمة المنزلية لساعات طويلة
▪︎ انقطاع غير معلن عن التعليم
▪︎ تبعية اقتصادية كاملة للأسرة المضيفة
▪︎ صمت الضحايا خوفًا من فقدان المأوى أو الدعم

في هذه المنطقة الرمادية يصبح السؤال القانوني صعبًا:
أين ينتهي التضامن الاجتماعي وأين يبدأ الاستغلال؟
تشغيل القُصَّر… الوجه الصامت للمشكلة
بعيدًا عن القضايا المثيرة إعلاميًا، يمثل تشغيل الأطفال أحد أكثر مظاهر مخلّفات الاستعباد انتشارًا في موريتانيا.
ففي الأحياء الهامشية للمدن الكبرى، كما في المناطق الريفية، يعمل آلاف الأطفال في:
▪︎ الخدمة المنزلية
▪︎ الرعي والزراعة التقليدية
▪︎الأسواق والورش غير المنظمة
وغالبًا ما يتم ذلك بموافقة الأسر نفسها تحت ضغط الفقر، ما يجعل الضحية القانونية شريكًا اجتماعيًا في الظاهرة دون قصد.
القانون يجرّم تشغيل القاصرين في ظروف ضارة، كما شددت تشريعات تجريم العبودية منذ 2015 العقوبات، لكن الواقع يكشف فجوة واضحة بين النص والتطبيق.

● لماذا تتبخر القضايا؟
المنظمات الحقوقية تتحدث باستمرار عن الإفلات من العقاب، بينما تؤكد الدولة أن القضاء لا يمكنه الإدانة دون أدلة.
وبين الروايتين تقف مجموعة من الحقائق المعقدة:
الضحايا يعتمدون اقتصاديًا على من يُفترض أنهم مستغِلون
▪︎ الخوف الاجتماعي يمنع الشهادة
▪︎ العلاقات التقليدية تُخفي الإكراه خلف الطاعة
▪︎ التسويات القبلية أو العائلية تُغلق الملفات قبل وصولها للقضاء

● ضعف برامج إعادة إدماج الضحايا
وهكذا تتحول كثير من القضايا إلى نزاع روايات بدل أن تصبح ملفات جنائية مكتملة.
إرث تاريخي لم يتحول بعد إلى ذاكرة
المشكلة الأعمق أن الاستعباد في موريتانيا ليس مجرد جريمة معاصرة، بل إرث اجتماعي طويل لم يتحول بالكامل إلى ماضٍ.
فالتراتبية الاجتماعية التي نشأت عبر قرون ما تزال تلقي بظلالها على فرص التعليم والعمل والملكية والاندماج الاجتماعي.
ولهذا يرى باحثون أن أخطر أشكال الاستعباد اليوم ليست القانونية، بل البنيوية: حين يولد الفرد داخل دائرة فقر وتبعية شبه مغلقة.
إنها عبودية بلا سلاسل… لكنها أيضًا بلا مخارج سهلة.
أزمة ثقة دائمة
كل قضية محفوظة قضائيًا تزيد من فجوة الثقة بين الدولة والحركات الحقوقية.
فالسلطات تخشى اختلاق الوقائع أو توظيفها سياسيًا، بينما تخشى المنظمات أن تضيع الانتهاكات الحقيقية داخل متطلبات الإثبات الصارمة.
والنتيجة أن النقاش يتحول من حماية الأطفال والضحايا إلى صراع شرعية بين مؤسسات الدولة والنشطاء.

● ما الذي لم يُحسم بعد؟
الحقيقة التي يصعب إنكارها أن موريتانيا حققت تقدمًا تشريعيًا مهمًا في تجريم العبودية، لكنها ما تزال تواجه تحديًا أكبر: تفكيك شروط إنتاجها الاجتماعي.
لأن القضاء يستطيع معاقبة الجريمة، لكنه لا يستطيع وحده معالجة أسبابها:
▪︎ الفقر المزمن
▪︎ الهشاشة التعليمية
▪︎ غياب الحماية الاجتماعية
▪︎استمرار بعض البنى التقليدية المغلقة
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد:
هل توجد عبودية في موريتانيا أم لا؟
بل أصبح:
كيف يمكن لمجتمع خرج قانونيًا من العبودية أن يتحرر اجتماعيًا منها؟
فأخطر مظاهر الاستعباد ليست تلك التي تُدان في المحاكم، بل تلك التي تُقبل يوميًا باعتبارها أمرًا طبيعيًا.

زر الذهاب إلى الأعلى