مقالات

“موريتانيا لا تحتاج حواراً جديداً… بل دولة فاعلة”

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله

صحفي ، وكاتب ،انواكشوط

medabd388@gmail.com

في موريتانيا، لا يكاد يمر عام دون أن يُعلن عن حوار وطني جديد، أو ملتقى تشاوري، أو أيام تفكير، أو ندوات سياسية واجتماعية تحمل عناوين كبيرة: التهدئة، التماسك الاجتماعي، الوحدة الوطنية، الإصلاح السياسي، أو إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
لكن السؤال الذي يتردد بصمت في الشارع الموريتاني اليوم لم يعد: متى يبدأ الحوار؟ بل أصبح: ماذا غيّر كل هذا الحوار في حياة المواطن؟
لقد تحوّل الحوار، مع مرور الوقت، من وسيلة لحل الأزمات إلى غاية قائمة بذاتها، ومن أداة إصلاح إلى طقس سياسي متكرر، تُستهلك فيه الكلمات أكثر مما تُحل فيه المشكلات.
المواطن البسيط لا يطالب بمنصات نقاش جديدة، ولا بموائد مستديرة، ولا بتوصيات تُكتب ثم تُحفظ في الأدراج.
ما يريده أبسط بكثير… وأصعب في الوقت ذاته.
نحن لسنا بحاجة إلى حوار اجتماعي بقدر حاجتنا إلى دولة تؤدي وظائفها الأساسية.
نحتاج عدلاً محسوساً لا شعارات عن العدالة.
أمناً يمنح الناس القدرة على النوم في بيوت آمنة بعيداً عن السطو والحرابة.
أسعاراً مراقبة تمنع انفلات السوق وجشع المضاربين.
قانوناً يُنفَّذ، يعاقب المخطئ ويكافئ المجتهد دون انتقائية أو حماية سياسية.
المواطن لا ينتظر بيانات ختامية، بل ينتظر ماءً يصل إلى منزله، وكهرباء مستقرة، وسكناً لائقاً، ومدرسة عمومية تحترم أبناءه، ومستشفى لا يتحول دخوله إلى مغامرة مجهولة النتائج.
لقد أصبح الحصول على مواد أساسية — الحليب، الأدوية، الأرز، الزيت، الخضر، واللحوم — تحدياً يومياً لآلاف الأسر، بينما تستمر الندوات في الحديث عن الإصلاحات الكبرى والتنمية الشاملة.
وفي الوقت الذي تتكاثر فيه اللقاءات الرسمية، ما يزال الأطباء والممرضون والأساتذة والمعلمون وصغار الرتب العسكرية والأمنية وعمال النظافة والحمالة يعيشون تحت ضغط معيشي قاسٍ، رغم أنهم العمود الحقيقي الذي تقوم عليه الدولة.
أما الشباب، أكبر ثروة بشرية في البلاد، فما يزال عالقاً بين البطالة والهجرة واليأس، في حين تُنهب الثروات البرية والبحرية أمام أعين الجميع دون أثر واضح ينعكس على حياة المواطنين.
المشكلة في موريتانيا ليست غياب الحوار بين مكونات المجتمع؛ فالمجتمع يعيش في أغلبه حالة تعايش يومي طبيعي.
المشكلة الحقيقية هي غياب العدالة التنموية وضعف حضور الدولة خارج المراكز الحضرية الكبرى.
القرى، الآدوابه، الكصور، والحواضر في أعماق البلاد لا تحتاج إلى نقاشات نظرية حول الاندماج، بل إلى طرق، وسدود، ومدارس، ومشافٍ، ومشاريع إنتاجية تمنح السكان سبباً للبقاء في أرضهم.
كما أن إنصاف الأرامل واليتامى، خاصة ضحايا القمع والتهميش، وإعادة الاعتبار لشهداء القوات المسلحة وقوات الأمن عبر رعاية أسرهم، ليس ملفاً حوارياً بل واجب دولة.
إن ما ينتظره المواطن اليوم هو إدارة نظيفة قائمة على الكفاءة، لا إعادة تدوير للأسماء، ولا محاصصة، ولا زبونية سياسية.
دولة تُعيّن التكنوقراط لأنهم أكفاء، لا لأنهم محسوبون على هذا الطرف أو ذاك.
الدولة التي يحلم بها الموريتانيون ليست دولة خطابات، بل دولة قانون؛
قانون يقف أمامه الجميع على قدم المساواة — رئيساً كان أو مواطناً بسيطاً — لا يرى لوناً ولا قبيلة ولا رتبة ولا نفوذاً، بل يرى حقاً يجب أن يُعطى لصاحبه.
فالناس لا يبحثون عن صراع ليُحل بالحوار، ولا عن أزمة هوية تستدعي مؤتمرات مطولة.
ما يريدونه ببساطة هو الشعور بمهابة الدولة، ووقار السلطة، وسيادة النظام.
حين تتحقق العدالة، ويتوفر الأمن، وتُصان الثروات، وتُحترم الكفاءة، سيتراجع الحديث عن الحوار تلقائياً؛ لأن أفضل حوار بين الدولة ومواطنيها ليس الكلمات… بل الإنصاف.
فربما لم يعد السؤال اليوم:
هل نحتاج إلى حوار جديد؟
بل: متى نبدأ أخيراً في بناء دولة تجعل الحوار غير ضروري؟

زر الذهاب إلى الأعلى